قيل له : ان ذلك يؤيد ما قلناه ، لأنه انما وجب في الإرادة من حيث لا يجوز أن يريد الشيء الا على طريقة الحدوث ، فاما أن يريد احداثه ، أو احداثه على وجه ؛ ولذلك استحال منه أن يريد ما يستحيل حدوثه ؛ وكذلك القول في القدرة . لكنا قد علمنا بما قدمناه ، أنه لا يقدر على احداث الشيء على وجه ، لأن الوجوه الزائدة على الحدوث إذا كانت بالفاعل فإنما تحصل به من حيث كان مريدا أو عالما أو كارها ، على ما نبينه .
ولا يجوز كونه بالفاعل ، من حيث كان بهذه الصفات ، وهو مع ذلك به من حيث كان قادرا . لأن الموصوف لا يحصل على صفة واحدة ، لكون الفاعل على حالين ؛ بل لا بد من أن يؤثر كل حال يحصل عليه في حكم آخر ، غير الّذي تؤثر فيه الحالة الأخرى . كما نقوله من أن كونه عالما ، يؤثر في كون الفعل محكما ، وكونه قادرا ، يؤثر في احداثه . وقد أجاب شيخنا أبو عبد اللّه ، رحمه اللّه ، عن ذلك : بأن المريد قد يصح أن يريد ما يعتقد حدوثه ، ويستحيل أن يريد ما يعتقد أنه لا يحدث . فيجب أن يكون كونه مريدا تابعا للاعتقاد ، وأن يدل ذلك على أن القدرة تتعلق بالشيء على وجه الحدوث لما لم يتعلق بالاعتقاد ، لأنه قد يقدر / الساهي والنائم . وقد ذكرنا من قبل ، أن ما نعتقده حادثا نحو البقاء وغيره ، فالإرادة لا تتعلق به ؛ بل تكون إرادة لا مراد لها ؛ فاذن لا بد من القول بأنه لا يصح أن نريد الشيء الّذي يستحيل حدوثه . فأما ما صح حدوثه ، فيصح أن نريده متى حصل معتقدا ، وانما يفارق كونه مريدا لكونه قادرا في أنه يتعلق بالاعتقاد ، فكونه قادرا لا يتعلق به . فأما التمني فمخالف لذلك ، لأنه قد يتمنى ما لا يصح حدوثه . فأما الاعتراض على ما قلناه : بأنا نقدر على الشيء إذا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 71
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧١