الجوع الشديد أنه كان يجوز أن تتغير حاله في ذلك باعتقاداته وسائر من يختص بضرب من الالجاء هذا حاله . ألا ترى أن المضروب بالسوط قد يجوز أن يفزع إلى الاستغاثة ، ويجوز أن لا يفزع إليها لضرب من الدواعي ؛ وما يفزع إليه قد يغير حاله فيه ؟ وكذلك حال المضطر إلى الميتة ؛ وحال أهل الآخرة في امتناعهم من القيام / بالقبائح ، وحال العليل في الأنين ، وحال أحدنا في الضحك عند نزول الأمر العجيب ، ولذلك يتغير حاله بحسب اعتقاده ، لأنه إذا كان عند من يتهيّبه ، لم يضحك كضحكه إذا خلا بنفسه .
فان قيل : ان أخذ معتمدكم على تقدم القدرة ، أنها لو لم تتقدم لم تتعلق بالضدين ؛ وإذ لم تتعلق بهما ، لم يكن بين القادر والمضطر فصل ؛ لأنه كان يجب أن لا يمكنه الانفكاك مما فعله ، كما لا يمكن المضطر ذلك .
ومتى قلتم : ان الملجأ ، الّذي قدمتم ذكره ، قادر فاعل ، نقضتم هذه الدلالة .
قيل له : ان ما قدمناه قد أبطل ما ذكرته ، لأنا قد بينا أن الملجأ قد يجوز أن يتغير حال اعتقاده ودواعيه فيفعل خلاف ما ألجئ إليه ؛ وقد تقابل دواعيه غيرها من الدواعي ، فيخرج من كونه ملجأ إلى حال المختار . وليس كذلك حال المضطر ، لا يستحيل على كل وجه أن يقع منه خلافه عند تغير أحواله . وكذلك القول في القدرة ، لو تعلقت بالشيء الواحد .
فأما مفارقة حاله لحال الأمور الموجبة ، فقد انكشف بما قدمناه ، وعلا وجه لا برازه على سبيل السؤال والجواب .
وقد بينا من قبل أن الممنوع من أضداد الشيء قد يكون قادرا عليه ، كالمحبوس في التنور ؛ وبينا أن الأمر فيه ، بخلاف ما قاله الشيخ أبو علي ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 60
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٠