فصل في أن القادر قد يفعل ما يحمل على فعله ، وإن لم يجز أن يختار عليه غيره . وما يتصل بذلك / .
اعلم أن القادر من حقه أن يصح منه الفعل ، وأن تنفصل حاله فيما يحدثه من حال الموجبات على بعض الوجوه . لأن حدوث مقدوره على سبيل الايجاب يخرجه من كونه مقدورا له ، وينقض كونه قادرا عليه ، على ما سنبينه في باب الاستطاعة ، وان كنا قد ذكرنا من قبل ما يدل عليه .
لأنه إذا كان حدوثه من جهته بحسب قصده ، ومعلوم من حاله أنه كان يجوز أن لا يقصد إليه وتتغير دواعيه ، فلا يقع منه ذلك ، بل يقع خلافه .
فيجب القضاء بأن حدوثه من جهته غير واجب ، وأنه مفارق في ذلك الوجوب الصفات عن العلل ، ووجوب المسبب عن السبب .
فإذا صح ذلك ، ثبت ما قدمناه من أن من حق القادر أن يصح حدوث مقدوره ، ولا يجب ؛ لكنا نعلم أنه وان كان كذلك ، فقد تقوى دواعيه إلى الفعل ، حتى لا يقع منه خلافه ، وان كان قادرا عليه . وهذا كالملجإ إلى الهرب من السبع أنه لا يقع منه الوقوف ، لكنا نعلم من حاله أن ما يقع منه يقع باختياره ، ولذلك يختار في الهرب سلوك طريق دون غيره . ومعلوم من حاله أنه لو قويت نفسه القوة التي يظن عندها كونه مفارقا للسبع .
أنه كان يجوز أن يقف ولا يهرب ؛ ولو لم يكن ما يحدثه من فعله ، لم يجب أن يتغير بحسب اعتقاداته . وكذلك القول في الملجأ إلى الأكل عند