وكل ذلك يبين أنه لا يمكن أن يقال في النائم : انه يفعل الفعل للدواعى ، من حيث لا يصح الفعل بالقدرة فقط دونها . فإذا ثبت أن الفعل يصح بالقدرة فقط ، لم يمتنع أن يفعله مع فقد الدواعي ؛ وان كان حاله مع أحد المقدرتين ، كحاله مع ضده .
وقد بينا في باب اثبات الأعراض ، أن ذلك صحيح ، ولا يوجب حدوث أمر لأجله اختص أحد مقدوريه بالوجود دون الآخر ، وكشفنا القول فيه ، فلا وجه لإعادته .
ونعود إلى ذكر الكلام في أن تصرف النائم فعله . فمما يدل عليه أيضا ، أن المعلوم من حاله أنه لو كان منتبها وبتصرفه عالما ، لوجب وقوعه بحسب قصده . ولا يجب ذلك في تصرف غيره لو كان عالما ، فيجب أن يكون لتصرفه معه من الحكم ما ليس لتصرف غيره ، فيجب كونه فعلا له وحادثا من جهته .
فان قيل ، لم قلتم : انه لو كان بتصرفه عالما ، لوجب وقوعه بحسب قصده ؟
قيل له : لأن الّذي تغير به حاله عن حال المستيقظ ، زوال العلم فقط . فلو جاز أن يقال فيه : ان تصرفه كان لا يجب أن يقع بحسب قصده لو كان عالما ، لم يجب ذلك في العالم ، أيضا . وفي وجوب ذلك في المستيقظ ، دلالة على وجوبه فيه .
فان قيل : هلا جوزتم للنائم تغير حاله عن حال المستيقظ ، فلا يصح ما ذكرتم .
قيل له : قد دللنا على أن النوم لا ينفى القدرة ، ولا يحتاج إلى ما ينفيها ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 56
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٦