العلم به تعالى وبحكمته انما يصح بعد العلم بكون العباد محدثين وفاعلين ، لأن بعد ذلك يمكن العلم باثبات المحدث للأجسام ومعرفة صفاته وعدله ، فكيف يستدل به على ما هو أصل له ، ومن حق المستدل به أن يتقدم العلم .
به على العلم بالمستدل عليه ؟ وكذلك القول في الاستدلال على ذلك باستحقاق الثواب والعقاب ، ويحسن بعثة الرسل ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والوعظ ، والوعد والوعيد ، والزجر والترغيب ؛ لأن ذلك أجمع لا يصح أن يعلم الا بعد العلم بإضافة الحوادث إلى العباد . وانما يذكر الشيوخ ، رحمهم اللّه ، ذلك ليبينوا أن من أقر بصحة الدين والاسلام ، وقال مع ذلك بالجبر ، فقد ناقض ، ونفى ما أثبت ، وأنه يلزمه القول بأن جميع ذلك عبث لا فائدة فيه ، فعلى هذه الطريقة يصح ايراده . فأما الاستدلال على ذلك باشتقاق الأسماء ، وأنه لو لم يكن فاعلا لتصرفه لم يوصف بأنه محرك ومسكن وضارب ومخبر ، كما لا يوصف بذلك من تصرف غيره ، ومما يحدث على سبيل / الاضطرار فيه فلا يصح . وذلك أن الاشتقاق يتبع اللغة ، والعبارات لا يوصل بها إلى معرفة المعاني . فلا يخلو من أجرى هذه الأسماء على العبد من أن يعلم أنه محدث لهذه الأفعال باضطرار ، فيجب أن تقع فيه المشاركة ، ويستغنى عن ذكر الاشتقاق ؛ أو علموا ذلك باستدلال ثم أجروا العبارة ، فيجب أن يذكر دليلهم ؛ أو أجروا ذلك بظن ، فلا معتبر به ؛ أو جعلوا الاسم تابعا لاعتقاد قلدوا فيه ، فلا يعتد به ؛ أو أجروا العبارة على ظاهر ما عقلوه من تعلق هذه الأمور بهم من حيث وقعت بحسب قصدهم ، وان لم يعلموه محدثا له ، فلا دليل فيه على موضع الخلاف ؛ فقد بان أن التعلق بذلك لا يصح .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 35
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥