حق فاعل القبيح أن يستحق الذم ؛ ولا يمتنع أن يستحق الذم على الفعل بشرط ، وكذلك المدح . والعلم بأن زيدا يحسن ذمه على القبيح ان لم يكفره ، وعلى الحسن ان لم يحبطه ؛ متى حصل ، استقام الاستدلال به ، وان لم يعلم أن هناك ما يحبط أو يكفر . فإذا صح ذلك في الذم والمدح ، وجب مثله في الأمر والنهى ؛ لأن الآمر يعلم حسن الأمر بما إذا فعله الفاعل استحق المدح عليه ، والنهى عما إذا فعله استحق الذم عليه . وقد يعلم حسن الأمر والنهى لأغراض ترجع إليه من منافعه ومضاره ، لا إلى المأمور المنهى . وهذه الجملة / تبين صحة الاستدلال بالذم والمدح على أن تصرف العبد فعله ، والوجه الّذي يصح عليه .
فأما قول القائلين بالكسب ، من أن ذلك انما يحسن لأن العبد مكتسب لتصرفه ، فسنبين بطلانه عند ذكر حدّ الكسب في فصل مفرد ، ان شاء اللّه .
فأما الاستدلال ، على أن تصرف زيد فعله ، بأنه لو لم يكن فعله لم يكن ليفزع إليه عند النوازل ، كما لا يفزع إلى تغيير هيئته وطوله وسائر أحواله التي لا تتعلق باختياره ، فبعيد . وذلك لأن أحدنا قد يفزع إلى الشيء على وجه لا يصح ، نحو أن يفزع إلى نقل جسم عظيم ، ثم لا يؤاتيه ؛ ويفزع إلى القيام بضرب من التدبير ظنا منه بأنه ينهض به ، ثم يقعد عنه .
وكذلك لا يمنع أن يقال : انه يفزع إلى احداث الأفعال ، لضرب من الظن ، وان كان محدثها غيره . وقد يفزع كثير من الناس إلى الألوان والعلوم ، ولا يجب كون ذلك فعلا لهم .
وبعد فان هذا القائل لا يخلو من أن يدعى أنهم علموا ما فزعوا إليه ، أو فزعوا إليه على جهالة . فان أقر بأنهم غير عالمين بذلك ، فقد أبطل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 31
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١