العبد قد يفعل ما لا يحسن أمره به ، ولا نهيه عنه ، ولا ذمه عليه ولا مدحه ؛ لأن ذلك ايجاد مثل المدلول مع عدم الدلالة . وذلك مما لا يقدح فيها ، بل يجب إذا دل دليل آخر عليه أن يقارنه .
ونعود إلى الجواب عما قدمناه من الأسئلة ، فنقول : ان العلم بحسن الذم والمدح لا يتعلق بالعلم بحدوث الفعل من جهته على التفصيل ، ولا يمكن أن يحكى ذلك عن شيخنا أبى هاشم ، رحمه اللّه ، في الجامع وغيره ، لأن كلامه محتمل . ولو كان كذلك ، لوجب أن لا يعرف حسن الذم والمدح من لم يستدل فيعلم على التفصيل حدوث فعل زيد من جهته ، وأنه موجده ومخترعه ، والمعلوم من أحوالنا وأحوال العقلاء خلافه . فصح أن العلم بذلك يتعلق بالعلم بتعلق تصرفه به ، على الجملة دون التفصيل ، على ما قدمناه .
وأما ما ذكرته من أن السلف قالوا : ان المجبرة لا يصح ، مع قولها ، أن نعلم حسن الأمر والنهى والمدح والذم ، فادعاء ذلك على الجميع لا يمكن . بل كثير منهم يجعل علمهم بحسن ذلك موجبا لبطلان اعتقادهم ، ويستدل به على أن العبد موجد ومحدث . وأما شيوخنا خاصة فقد جعلوا العمدة فيه استحقاق الذم ، وقد قالوا : ان العلم بحسن الذم كما يحصل عند العلم بتعلق القبيح به ، فكذلك يحصل عند العلم بأنه لم يفعل الواجب ؛ وادعوا في ذلك / العلم الضروري ، وان احتيج في تفصيله إلى استدلال .
وقد اعتمدوا عليه في أصل المعرفة ، لأنهم رتبوا الخاطر والداعي على أنه تنبه على ما يعرفه من حسن ذمّه على القبيح وان اشتهى ، وذمّه على الحسن وان شق عليه . فلولا أن العلم بذلك ضروري على الوجه الّذي ذكرناه ، لما صح هذا القول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 29
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩