وبعد ، فان مدح الغير انما يحسن على فعله دون فعل غيره ، فلا بد من تقدم العلم بفعل الفاعل على جملة أو تفصيل ، حتى يعلم حسن مدحه عليه أو ذمه لأجله . ومن قولكم : ان الفاعل انما يستحق المدح بفعله ، متى علم أن ما فعله حسنا وله صفة زائدة على حسنه ، وأنه لم يفعل ما يحيط المدح ؛ ولا يحصل العلم بذلك ، الا والعلم بأنه فاعل قد حصل ، لأنه الأصل لهذه العلوم . / وإذا لم يعلم حسن المدح على الفعل الا وقد علم حسنه والوجه الّذي له حسن ، فكيف يدّعى العلم بحسن ذلك . ولما علم كون الفعل فعلا له أصلا ، ومن قولكم أن حسن الشيء يتبع العلم به العلم بوجه حسنه ، فكيف يعلم الفاعل حسن الذم ولا يعلم ما له حسن من كون الفعل فعلا للمذموم ، لأنه انما يحسن لذلك دون غيره . ولهذا لا يستحسن ذم زيد على حركاته مع تجويزه كونها فعلا لغيره ، كما لا يستحسن ذمه مع تجويزه كونها حسنة . وكل ذلك يبين أن الاعتماد على الذم والمدح في أن تصرف العبد فعل له ، لا يصح على وجه .
قيل له : ان الّذي قدمناه هو أنه يصح أن يعلم حسن ذمه ومدحه ، إذا علم تعلق الفعل به على الجملة ، بأن يعلم وجوب وقوعه بحسب قصده وارادته ، وأن حاله معه بخلاف حاله مع غيره . فعند ذلك يكون مخيرا بين أن يستدل بذلك على أنه محدثه ، وبين أن يستدل على ذلك بوجوب وقوعه بحسب دواعيه ، لأنه قد علم باضطرار أن ذم الغير على ما لا تعلق له به البتة يقبح . فإذا علم حسن ذم زيد على تصرفه ، علم أنه لا بد من تعلقه به ؛ ويعلم عند ذلك أن تعلقه به هو ، بأنه حدث من جهته على الوجه الّذي يعمله ، لما قدمناه من الدليل .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 27
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧