ذلك ، إذا لم يستوف المسؤول الدلالة على الوجه الّذي يقتضي النظر فيه العلم . فأما إذا استوفاها قبح منه المطالبة ، وجرى في مطالبته مجرى من طلب من غيره ما لا يطيقه ، لأن الزيادة على ترتيب الدلالة التي لا يحتاج إليها لا نهاية لها ، ووجودها كعدمها في الاستغناء عنها ، الا أن يطلب كشفها بعبارة أخرى وإيضاحها بشاهد ومثال . ومن طلب ذلك لم يكن طاعنا فيها ولا مطالبا بوجه صحتها . لكن الأمر وان كان كما قالاه في أنه لا أصل له في العلوم الضرورية ، فدافعه بمنزلة من دفع العلوم الضرورية ، على ما بيناه .
لأنه إذا قال : ان تصرف زيد ليس بحادث من جهته ، بل المحدث له غيره ، أو لا محدث له أصلا ، أو وجب عن طبع أو عن معنى موجب ، فلا بد من أن يدفع ما علمناه من وجوب تعلقه بحسب قصده ودواعيه ، وذلك مما يعلم باضطرار ؛ وان كان في جملته ما يعلم بالتأمل ، ويصير من هذا الوجه بمنزلة من دفع أصلا له ضروريا .
فأما الاستدلال ، على أن جميع الحوادث متعلقة بمحدث / لحمله على تعلق تصرف من نشاهده به ووقوعه بحسب قصده ، فبعيد . لأن الطريق ، التي بها نعلم حاجة هذا التصرف في الحدوث إليه ، استدلال ؛ وطريقة جميع ما يحدث من العباد واحدة ؛ فلا يمكن أن يقاس بعضها على بعض .
وقد بين شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، أن ادعاء الضرورة في ذلك لا يمكن ، وأنه لا يمتنع مع كمال العقل أن يشك في أن بناء الدار وتأليف الحيل اما محدث أو لا . وبيّن أن من جهة العادة ، يخالف ما علمناه واقعا من العباد من بناء الدور والكتابة والنّساجة وغيرها ، لما لم تجر به العادة من تأليف الحيل وغيره .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤