وقد بينا أن العلم بما له يستحق الموصوف الصفة ، لا يكون ضروريا في شيء من الصفات ، لأن العلل انما يعلم كونها عللا بالدليل ، وكذلك ما يجرى مجراها من الوجوه التي تستحق لها الصفات .
فأما الاستدلال على أن تصرف العبد فعله بالذم والمدح وحسن الأمر والنهى ، فقد اعتمد عليه شيخنا أبو علي رحمه اللّه ، في كتبه ، وغيره من الشيوخ المتقدمين . وذكره شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه أيضا ؛ الا أنه ربما اتبعه بأن قال : وان كان الّذي نعتمده هو وقوع تصرفه بحسب قصده وارادته وعلمه وقدره ، وربما مضى عليه ولم يعترضه . وقد ذكر في الجامع أن الاستدلال على أن المتولد فعله بذلك لا يصح ، لأنه يجب أن يعلم أنه فعله أولا ؛ ثم نحكم ، بحسن الأمر به ، والنهى عنه ، والذم والمدح عليه .
والشيخ أبو عبد اللّه ، رحمه اللّه ، يقول : انه يمكن أن يستدل به ثانيا .
فأما في ابتداء الاستدلال على أن تصرف / زيد فعله ، فلا يمكن .
ولا يقدح ذلك في احتجاج الشيوخ بذلك على المجبرة . لأنهم قصدوا به إلى ابطال قولهم : ان تصرف العبد فعل للّه ، لأنه لا بدّ من القول بأن فعل الغير يحسن أن يؤمر به وينهى عنه . وما علم أنه ليس بفعل له لا يحسن ذمه ومدحه عليه . وانما النظر في التصرف الّذي نحن فيه واقفون ، هل يجوز أن يعلم أنه فعل لزيد بالأمر والنهى والذم والمدح ، أم لا ؟ فأما مع القطع على أنه ليس بفعل له ، فلا اشكال أنه لا يحسن ذلك فيه .
واعلم أن حسن الأمر والنهى والمدح والذم لا يحصل العلم به ، الا وقد حصل العلم بتعلق تصرف العباد بهم ، ووقوعه بحسب قصدهم ودواعيهم ، لأن من لم يعلم ذلك أوّلا ، لم يعلم حسنها . ومتى علم الحوادث على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 25
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥