عنه ما فيه كفاية ، وقلنا إنه قد يطلق ذلك بمعنى يقدر على ضدها منه وعلى افنائه ؛ فان سألوا فقالوا : من جعل الكفر قبيحا والاسلام حسنا ، والمسموع مسموعا والمريء مرئيا والكفر كفرا ؟ فإن كان الجاعل لذلك هو العبد فيجب حصوله بحسب قصده ، وان كان تعالى جعله كذلك فيجب أن يكون الكفر والايمان من خلقه ، قيل له : قد بيّنا أن الكفر منه ما يقبح لوقوعه على وجه لا يتعلق بالعبد ، كالجهل باللّه تعالى ، فلا يقال إن أحدا جعله قبيحا الا أن يراد أن العبد أحدثه ، وعند حدوثه صار قبيحا ، فأما أن يضاف إلى اللّه تعالى فلا يصح ، وما يكون قبيحا لوقوعه على وجه يتعلق باختياره فلا يمتنع أن يضاف إلى العبد ويقال إنه جعله قبيحا ، لأنه كان يصح أن يحدثه غير قبيح ، وكذلك القول في الجواب عن قولهم من جعل الايمان حسنا ؟ فأما المسموع فإنما يكون كذلك لأمر يرجع إليه عند وجوده لا يتعلق باختيار مختار ، فلا يضاف كونه مسموعا إلى أحد الا / أن يراد بذلك من الّذي أوجد المسموع والمرئى ، أو رفع عنهم المانع حتى صرنا نسمعه ونراه فيضيفه إلى من فعل ذلك ، وأما كون الكفر كفرا فقد بيّنا أنه سمى بذلك لاستحقاق عقاب عظيم عليه ، فأما الايمان ( فقد ) « 1 » وصف بذلك اما لأنه واجب أو لأنه يستحق به الثواب ، وكل ذلك لا يتعلق باختيار مختار ، فان أريد به من حكم بذلك وفيه بيّن ذلك من حاله فاللّه سبحانه ، فان أريد به من أحدثه فصار له هذا الحكم فالعبد ، وان أريد غيره لم يكن له معنى ؛ فان قالوا أليس اللّه تعالى قد فعل الكثير ، ولا يسمى بذلك خيرا ، فهلا جاز أن يفعل الشر والفساد ولا يكون شريرا مفسدا ؟
هامش
( 1 ) أضيفت لاستقامة النص .