أتقولون ان اللّه سبحانه يفعل الضر والنفع ؟ قلنا نعم ، لأن ذلك لا ينبئ عن كونه قبيحا ، وهو تعالى يفعل جنس النفع والمضرة ، فيجوز وصفه بذلك ؛ فان قال : أفتصفونه بأنه يفعل الفساد ؟ قيل له لا ، لأن ذلك عبارة عن القبيح من المضار ، وانما يقال إن المطر أفسد الزرع ، وأفسد المرض بدن فلان ، مجازا ، ولذلك لا يقال في فاعله انه مفسد إذا كان ما فعله حسنا وأنه من المفسدين ، كما لا يقال إنه من الأشرار ، فان سأل عن الخيرات التي تكون في الدنيا والمحن التي تنزل بالمؤمنين ، وبقاء الأشرار وموت الصالحين ، أهو فساد أم لا ؟ قيل له : ذلك كله صلاح واستصلاح ، وقد بيّنا من قبل ما يدل على ذلك ؛ فان سأل فقال : أليس من حق اللّه على العباد أن يؤمنوا به ويطيعونه ، أفيقدر أن يأخذ حقه منهم أم لا ؟ فان قدر على ذلك فيجب أن يصح أن يجعلهم مؤمنين ، وان كان لا يقدر عليه فقد وصفتموه بالعجز ، قيل له : ان الحق على قسمين :
أحدهما قد يوصف بعطية وأخذ ، والآخر لا يصح ذلك فيه ، فقولكم في الايمان ان اللّه جل ثناؤه يجوز أن يأخذه أم لا ، محال ، لأن الأخذ في ذلك انما هو بأن يختار المؤمن / فعله .
وهذا مجاز ان سمى بذلك ، فأما لو اضطره تعالى إليه كان لا يكون ذلك الايمان ، فإنما صح أخذ الصدقات من العباد لأنه حق للمساكين يصح فيه الأخذ والنقل ، ويستحيل ذلك في الايمان ؛ فان سأل فقال : هل يقدر تعالى على شيء من تصرفنا ؛ فقد قضى أنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على ذلك ، ولا نقول إنه ليس بقادر عليه ، لأنه يوهم أنه مما يصح كونه مقدورا له ؛ فان سألوا فقالوا : أيملك اللّه شيئا من أفعالكم ؟ فقد بينا في الجواب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 323
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٣