شبهة أخرى لهم : قالوا قد أجمعت الأمة على أن اللّه تعالى هو الخالق ، وما سواه مخلوق ، ولا خالق الا اللّه ، فيجب أن يدل ذلك على أنه خالق / لأفعال العباد ، قالوا وقد روى حذيفة عن النبي صلى اللّه عليه أنه قال :
خلق اللّه كل صانع وصنعته ، حتى خلق الخادم وخدمته ، وقد روى معاذ بن جبل عنه صلى اللّه عليه أنه قال : لم يخلق اللّه تعالى خلقا هو أبغض إليه من الطلاق ، ولم يخلق خلقا هو أحب إليه من العتاق ، وذلك يدل على أنهما فعله سبحانه قالوا وهذا كقوله جل وعز
« وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى »
« 1 » ، فدل على أنه خلق الضحك والبكاء ، كما أنه خلق الموت والحياة ، واعلم أن المسلمين لا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما ورد به النص ، وقد بيّنا أن نص الكتاب قد ورد بأن غير اللّه يخلق ، فكيف يدعى الاجماع على خلافه ، ولا يبعد أن يقولوا انه خالق وما سواه مخلوق ، يريدون بذلك أنه القديم وما سواه محدث ، ويقولون لا خالق الا اللّه ، بمعنى لا خالق يرزق ويغنى ويعيد الا هو تعالى ، فأما حمل الكلام على الحقيقة فلا يصح ، وما رووه عن الرسول صلى اللّه عليه فأخبار آحاد ، لا يجوز أن تقبل فيها طريقة العلم . وقد دللنا على أنه ليس بخالق لأعمال العباد ، فلا يجوز أن يراد بالكلام ما يقتضيه ظاهره ، ولا يمتنع ان صح أن يكون أراد بقوله انه خلق كل صانع وصنعته ، أنه خلقه وخلق ما يصنع فيه وبه ، كما تأولنا عليه قوله :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »
، فكما يقال إن فلانا يعمل الحصر والأبواب ويعنى بذلك يعمل فيهما ؛ وأما قوله ما خلق اللّه شيئا أبغض إليه / من الطلاق فيجوز أن يريد به ما قدّر
هامش
( 1 ) رقم 43 سورة النجم 53 .