شبهة أخرى لهم : قالوا وقد قال تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ »
« 1 » فخبّر أنه جعل الايمان والكفر لأنه سماهما ظلمة ونورا بقوله :
« يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »
« 2 » ، وبقوله :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »
« 3 » ، وذلك يوجب كونه خالقا لهما ، واعلم أنا قد بيّنا أن الجعل قد يكون بغير معنى الخلق ، وبيناه بقوله
« وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً »
« 4 » ،
« إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ »
« 5 » ، فلا وجه لإعادته ، ولا يجوز أن يوصف الايمان بأنه نور ، والكفر بأنه ظلمة على جهة الحقيقة ، لأن النور والظلمة هما جسمان مختصان بصفة ، والايمان والكفر عرضان ، فكيف يستحقان هذا الوصف في الحقيقة ؟ وانما وصف تعالى الايمان بأنه نور لما يختص به من الاستقامة والاهتداء إلى طريق الفوز فشبّه بالنور ، ووصف الكفر ظلمة من حيث كان بالضد من الايمان ، وهذا / يوجب أن الايمان والكفر لم يدخلا في الآية ، قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه ولو دخلا فيه لكان ذلك ينقض قوله :
« صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »
« 6 » ، لأن الكفر كان يجب كونه متقنا محكما مع تناقضه وفساده ، ولأدى ذلك إلى ارتفاع الأمر والنهى .
شبهة أخرى لهم : قالوا : وقد قال سبحانه :
« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
هامش
( 1 ) رقم 1 سورة الأنعام 8 .
( 2 ) رقم 257 سورة البقرة 2 .
( 3 ) رقم 257 سورة البقرة 2 .
( 4 ) رقم 13 سورة المائدة 5 .
( 5 ) رقم 26 سورة ص 38 .
( 6 ) رقم 88 سورة النمل 27 .