تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
به ، ولو كان المراد به الخلق لكان كلهم عابدين ، لأنه قد خلق فيهم العبادة ، ولارتفع الأمر بها والنهى عن خلافها ، ولما صح أن نقول
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
، كما لا يجوز أن يقال وقضى ربك أن تسودّوا وتبيّضوا ، ولذلك قرنه بالاحسان إلى الوالدين ، ولو كان تعالى خلق فيهم العبادة لما جاز أن يقضى على بعض أنه لا يعبد ، وعلى بعض أنه يعبد ، والا كان ظالما من حيث خلق في بعضهم ضد العبادة ليدخلهم النار ، ولوجب اطلاق القول بأن قضاء اللّه باطل وجوز وفساد من حيث كان يخلق ذلك ، فلن يقبح الرضا بكل ما قضى وأن يجوز أن ننكر قضاءه ونسخط ونكره ، وأن نردّ على اللّه تعالى بعض قضائه ، أو أن يجب الرضا بالكفر وأن يلزم قبوله ، وأن جعلوا القضاء غير المقضى فكان عندهم موجبا له ، فقد عاد الحال إلى ما تقدم ، وان جاز أن يقتضي ما لا يوجد فمن أين أن المقضى من خلفه وتقديره ، وهذا جاز على هذا الوجه أن يكون القضاء هو الجبر على ما ذكرناه . شبهة أخرى لهم : قالوا : وقد قال تعالى :
« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما »
« 1 » ، قالوا وأفعال العباد بينهما فيجب أن يكون خالقا لها ، / واعلم أن أعمال العباد لا يقال فيها انها بينهما على الحقيقة ، لأن ذلك انما يقال في الأجسام دون الأعراض ، فلا يجوز أن يكون الكلام متناولا لها ، وانما يتناول نفس السماء والأرض وما بينهما من الأجسام ، ولو صح أن يقال فيها انها بينهما لوجب كونه مخصوصا ومصروفا إلى ما ذكرنا مما تولّى تعالى خلقه من الأجسام .
هامش
( 1 ) رقم 33 سورة إبراهيم 14 .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 315 | القاضي عبد الجبار الهمذاني