تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
تعالى :
« إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ »
وقد يقول الانسان قدرت في دارى هذه خمسة أبيات أبنيها ، وقال الشاعر : واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الصحف الأولى التي كان قدر ، وقد يقول الخياط : قدرت هذا الثواب بمعنى بيان حال ما يجيء منه ، فمعنى قوله وقدرنا فيها السير أنا عرفنا ابتداءه وانتهاءه ، وما يؤدى إليه ويستعان به عليه ، كما يقول القائل قدرت سير فلان إذا بيّن مقدار ما يسيره في كل يوم ، فلما كان تعالى قد بيّن السير في البر والبحر وضرب غايته وبيّن ما يحتاج إليه ، جاز أن يقول وقدرنا فيها السير ، ولهذا قال بعده : سيروا فيها ليالي ، وانما أراد بقوله :
« هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ »
، أنه الّذي يسهّل السبيل إلى ذلك بأمور يفعلها بكم تحتاجون إليها من السفينة ومن الماء وغيرهما . شبهة أخرى لهم : قالوا وقد قال تعالى :
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
« 1 » ، فبيّن أنه قضى العبادة ، فيجب أن يكون قد خلقها ، لأن القضاء هو بمعنى الخلق ، كقوله تعالى :
« فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ »
« 2 » يعنى خلقهن ، واعلم أن القضاء ينصرف على وجوه بمعنى الخلق وبمعنى الاعلام كقوله تعالى
« وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ »
« 3 » ،
« وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ »
« 4 » ، وبمعنى الالزام كقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا الا إياه ، فالمراد بهذه الآية هو الأمر / والالزام دون الخلق ، كما يقول القاضي قضيت على فلان بكذا بمعنى ألزمته :
« إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ »
« 5 » ، هذا هو المراد
هامش
( 1 ) رقم 23 سورة الإسراء 17 . ( 2 ) رقم 12 سورة فصلت 41 . ( 3 ) رقم 66 سورة الحجر 15 . ( 4 ) رقم 4 سورة الإسراء 17 . ( 5 ) رقم 78 سورة النمل 27 .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 314 | القاضي عبد الجبار الهمذاني