تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
جاز أن يقول تعالى :
« فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ، قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »
« 1 » لأن الغرض معقول به ، والمجاز لا يجب عليه القياس ، وقال رحمه اللّه ان « من » في اللغة تدخل على اللفظة للتبعيض ولابتداء الغاية ، فإذا قلنا إن الايمان من اللّه جاز أن يراد به بعض نعمه ، ويجوز أن نريد به أنه المبتدئ بما نلناه به ، فكأنه مبتدئ بالايمان لما كان مبتدئا ، بما لم ينل الا معه ، وقال رحمه اللّه / ان المدبر للشئ انما يدبره بأن يفعله مقدرا ، لأن تدبّر وتقدّر معناهما سواء ، وان كان قد يقال في الشيء الّذي يروى فيه أنه يدبره ويقدره وان لم يفعله ، ولا شيء من أفعاله تعالى الا ويوصف أنه مدبر له ، فأما فعل غيره فلا يطلق ذلك فيه لأن أعمال العباد ليست بواقعه على ما أمر بها فلا تصلح أن يقال فيها ذلك ، كما يقال إن الأمير يدبر هذا الجيش إذا لم يقع تصرفهم الا بأمره ، وأن زيدا دبّرتنا داره لما كان يقع بحسب ارادته ، ولو كان كل أفعال العباد تقع بحسب إرادة اللّه سبحانه لم يمتنع استعمال ذلك فيه ، والمجاز لا يقع فيه القياس ، فلذلك إذا قيل في الأمير انه ضرب غلامه وبنى داره ، علم بالتعارف المراد ، وأنه يراد به أنه أمر بذلك فوقع بحسب أمره ، ولو قيل في الأمير انه ضرب حرمته لم يفد الأمر ، ولهذا أضاف تعالى فعل الملائكة إليه لما كانوا يطيعونه في كل ما أراده منهم ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها »
، « 2 » ، وانما يتولى قبض الأرواح الملائكة بأمره على ما دل عليه قوله :
« تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ »
« 3 » ، وإلى قوله :
« إِنَّا نَحْنُ
هامش
( 1 ) رقم 15 سورة القصص 28 . ( 2 ) رقم 42 سورة الزمر 39 . ( 3 ) رقم 61 الانعام 6 .