الانتفاع في المستقبل يعظم به ، وكذلك المدح ، ومن حق الفعل أن يعظم لوقوعه على بعض الوجوه في الحال ، وان كان الوجه الّذي يحصل عليه يتعلق بأمر مستقبل ، فلهذا صار هذا القول أولى ، ولهذا قال صلى اللّه عليه من سنّ سنة حسنة فله أجرها ، ومثل أجر من عمل بها ، فأثبت له ذلك في الحال من حيث علم أنه يقتدى به ، فعلى هذا الوجه يعظم ما فعله اللّه تعالى من الايمان والألطاف فيه من حيث علم أن المؤمن يختار الايمان عنده ، ولا يستحق تعالى المدح والشكر بنفس الايمان وان عظم ما يستحقه به ، وفي ذلك سقوط السؤال في الحقيقة ؛ ويجب أن يحمل كون الايمان نعمة من اللّه تعالى على ضرب من التعارف ، وعلى الوجه الآخر يكون كأنه فعله تعالى من حيث أوصل المكلف إلى ايجاده ؛ فأما ذمّه تعالى من أحبّ أن يحمد بما لم يفعل ، فقد بينا أن المدح لا يستحقه على فعل غيره ، فلذلك ذم تعالى من هذه حاله ، وانما ذمهم أيضا لما لم يكن لفعل غيرهم تعلق بفعلهم ، وقد بيّنا أن ما هذا حاله لا يستحق به المدح ، / وقد بينا أن حكم الايمان واضافته إلى اللّه تعالى يخالف ذلك ، وأنه بمنزلة ما بيّناه في الشاهد من قبل ، وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه أنه يقال هذا الثواب من فلان لما وصل إليه عند فعله ، كذلك يقال إن الايمان من اللّه لما كان عند ألطافه وتوفيقه ناله ، وانما يضاف ذلك إليه على جهة المجاز والتشبيه لأن العقل قد دل على أن الايمان فعل العبد ، ودل على أنه لم ينله الا عند معونته تعالى ألطافه وتمكينه ، ولا يمتنع أن نستعمل فيه من العبارات ما يفيد المعنى الّذي عقلناه ، ولا يجوز أن يقال إن الايمان من فعل اللّه كما يقال إنه من اللّه لأنه لم يتعارف استعماله على هذا الحد ، ولأن فيه ايهام مذهب المجبرة ، وانما
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 306
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٠٦