العبد فيه التأليف ، قيل له إذا كان نفس الكلام كتأليفه في أنه يقع بحسب قصده ، فكيف يصح الفصل بينهما فيضاف أحدهما إلى اللّه تعالى والآخر إلى العبد ، وتعلقهما بالعبد على حد واحد ؟ ولو ثبت ما طلبوه في الكلام لم يؤثر ذلك في كون سائر الأفعال فعلا للعبد ، فكيف وقد بيّنا أن الكلام نفسه كالحركات في أنه فعله لوجوب وقوعه بحسب قصده ودواعيه ، وسنتكلم من بعد على من زعم أنه ليس بفعل العبد من حيث كان متولدا أو من حيث كان جوهرا ان شاء اللّه ؛ فأما قول من قال إن الكلام يبقى فقد تكلمنا عليه .
شبهة أخرى لهم : / قالوا : الّذي أوجب كون الجسم مخلوقا للّه تعالى هو أنه محدود بالمكان والوقت ، ووجدنا أفعال العبد محدودة بالأماكن والأوقات من حيث تختص بمكان ووقت ، وتوجد فيما بين المكانين والوقتين ، فيجب كونها مخلوقة للّه تعالى ، واعلم أننا قد بيّنا أن الّذي يدل على أن الجسم محدث كونه غير سابق للحوادث لا كونه في مكان دون مكان ، فأما جواز الأوقات عليه فلا يقال إنه يدل على حدوثه لأنه لا يعلم أن الوقت جائز عليه الا وقد علم حدوثه ، لأن الوقت انما يجوز على الحوادث ، الا أن يراد بالوقت المضاف إليها أنه وقت لغيرها بما يحدث فيها من الأعراض ، فقد يعلم ذلك وان لم يعلم حدوثه ، ولا يدل جواز الوقت على ما يحدث فيه على حدوثه ، لأنه لو جاز تقدمه لكان بهذا الوقت عليها جائزا وكانت لا تدل على حدوث الجسم ، فقد بطل ما بنوه عليه ؛ ولو ثبت أيضا أن ذلك يدل على حدوث الجسم ، لكان لا يجب أن يدل على كونه مخلوقا على ما ظنوه ، لأن المحدث قد يعلم محدثا وان لم يعلم مخلوقا ، والعلم بحدوثه يرجع إليه ، وبكونه مخلوقا يتعلق بحال فاعله وأنه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 294
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٤