هو المالك لما لوجوده يوجد ، ولما لعدمه يعدم ، جاز أن يقال إنه مالكها ، كما يقال إنه يملك السماء والأرض مع وجودهما ، والمراد به أنه يملك اعدامهما وتصريفهما من حال إلى حال بالجمع والتفريق ، فلا يمتنع ذلك عندنا أن يقال إنه مالك لكل شيء على هذا الوجه ولا بد للخصم من أن يتأول ذلك ، لأن عنده أنه لا يملك قلب الأعيان ، وان يجعل الكسب كسبا للعبد بلا قدرة أو يجعل قدرة الحركة قدرة للسكون ، وأن يجعل القديم تعالى محدثا أن يهلك نفسه ، وان كان شيئا فما سوغ له ذلك يسوغ لنا ما قدمناه .
شبهة أخرى لهم : قالوا إذا ثبت أن في الكلام ما هو مخلوق للّه تعالى فيجب في جميعه أن يكون مخلوقا له لأنه كله حروف مؤلفة ، وانما تختلف في التأليف والمواضعة والا فالحروف واحدة ، واعلم أن هذا لو صحّ لكان انما يدل على أن الكلام كالأجسام في أن العبد لا يفعله وانما يفعل فيه التأليف ، ولا يوجب ألّا فعل للعبد كما لا يوجب كون الأجسام من فعل اللّه تعالى ألّا يكون للعبد فعل ، فكيف والّذي قالوه جهل ، لأن الكلام لا / تأليف فيه ، وانما الحروف تتوالى في الحدوث ، فتوصف لتوالى حدوثها بأنها مؤلفة بسببها بالأجسام إذا ألفت . وكيف يجوز أن يكون فيها تأليف وعند وجود الحرف الثاني منها يبطل الأول ، ومن حق التأليف ألّا يكون في موجود ومعدوم ، فكيف يصح حصول التأليف في الكلام حتى يقال إن العبد انما فعل تأليفه دونه ؟ وانما صح لنا في البناء ذلك لأن البناء غير المبنى ، ولو كان في الكلام تأليف في الحقيقة لما صح ما قالوه أيضا لأنه بنفسه لا يبقى ولا يمكن أن يقال إن هناك كلاما موجودا يقصد العبد إلى أن يفعل فيه التأليف ، فان قال إنه تعالى في حال ما يفعل الكلام يحدث
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 293
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٣