العبد على اكتساب الحياة والقدرة وغيرهما ، لأن ما به يمتنع من ذلك من الطريقة التي قدمناها لا يتأتى لهم ، فيلزمهم أن يكون العالم مقاوم ومشارك له في العبادة ، وهذا الكلام لهم ألزم منه لنا .
فان قالوا لا يصح أن يكتسب الا بأن يريد تعالى خلقه فهو موقوف على ارادته ، فكيف يكون العبد مقاوما له تعالى ؟ قلنا له : وكذلك لا يصح عندنا من العبد ايجاد الفعل الا بأن يريد تعالى اقداره وتمكينه وتخليته فكيف يقاومه وحاله هذه ؟
شبهة أخرى لهم : قالوا لو كانت أفعال العباد موجودة من جهتهم لوجب أن يكون في أفعالهم ما هو خير من أفعال اللّه تعالى كالايمان والتوحيد الّذي هو خير وأحكم مما خلقه اللّه من القردة والخنازير والروث / وغيرها ، وهذا يوجب أن العبد خير من اللّه سبحانه وأفضل منه ، فلما استحال ذلك ثبت أن جميع ذلك من أفعاله تعالى ، واعلم أن قولنا كذا خير من كذا انما يصح إذا اشتركا في النفع الحسن ولأحدهما مزية على الآخر فيه ، ومتى استعمل في غير هذا الوجه كان مجازا ، ولذلك قلنا إن قوله تعالى :
« قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ »
« 1 » ، الغرض به التقريع وبيان أن الجنة أولى أن تلتمس بالطاعات من النار ، فأما متى جرى ذلك في الكلام على وجه الخير فحقيقته ليس الا ما وصفناه ، وقولنا في الشيء انه أحكم من غيره أنه أريد به أنه أحسن منه ، فلا وجه له في الحقيقة ، لأن معنى الحسن لا يقع فيه تزايد ، وان أريد به أنه أحكم على وجه الاتساق فغير ممتنع أن يطلق كما يقال في احدى الكتابتين انها أحكم من الأخرى إذا كانت أشد اتساقا وانتظاما ، فإذا صحت هذه
هامش
( 1 ) رقم 15 سورة الفرقان 25 .