تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
جاز أن يبتدئها معه ، لأن من لا يقدر على ابتداء الشيء وايجاده ، لا يقدر على افنائه ، وهذا يوجب أنه تعالى هو الّذي أوجد أفعال العباد ، واعلم أن المفنى للشئ انما يفنيه بأن يفعل ضدا له أو ما يجرى مجراه فينتفى ، وقد بيّنا من قبل أنه لا يصح من القادر أن يقدر على اعدام الشيء كما يقدر على ايجاده ، وانما يقال إنه قادر على اعدام الشيء من حيث قدر على ايجاد ما به يعدم ، ولولا ذلك لم يكن لهذا الاطلاق معنى ، وانما يصح هذا القول فيما يبقى فيعدم القادر بايجاد ضده دون ما لا يبقى مما يجب عدمه في الثاني على كل وجه ، فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يقدر على اعدام فعل الغير من العباد بفعل ضده ، ولا يجب أن يقدر على ايجاد فعل الغير ، فكذلك لا يمتنع أن يقدر تعالى على اعدام أفعالنا وان استحال وصفه بالقدرة على ايجادها ، ولا يجب إذا كان قادرا على افناء ما يوجده العبد أن يكون مفنيا له في حال ايجاده ، لأن ذلك يوجب كون الشيء موجودا معدوما مع وجود ضده ، فان أراد / تعالى ألّا يوجد بأن يفعل ضدا له استحال وجود فعل العباد لأن فعل الأقوى أولى بالوجود ، وان لم يرد تعالى منعه وجد فعله ، وعلى قولهم لا يصح افناء الأفعال لأنها لا تبقى عندهم ، وانما يصح المنع فيها ، وقد بيّنا أن وجودها يستحيل إذا قصد تعالى المنع ، ولا يمنع ذلك من كونهم قادرين عليها ، كما أن منع زيد لعمرو لا يمنع من كونه قادرا عليها ، وقولهم انه إذا جاز أن يفنى تعالى فعل العبد معه ، جاز أن يبتدئ فعل العبد معه جهل ، لأنه انما صح أن يفنيه معه لحاجته في الوجود إلى بعض العبد من حيث حله ، فمتى فنى المحل وجب فناؤه ، ولا يجب أن يصح أن يبتدئه ، بل ذلك يستحيل من حيث دلت الدلالة على أنه غير موصوف