بزيد نفسه ، فأما إذا استدللنا عليه بحدوثه فيجب ألا يدل على ذلك الا بمرتبة ثانية ، وعلى هذا ترتيب دلالة الأجسام والحياة وغيرهما على اللّه تعالى بأن تقول إذا ثبت حدوثها وجب اثبات محدث لها ، فإذا لم يصح من المحدث القادر بقدرة فعل ذلك ، علم أن فاعلها هو اللّه تعالى ، ولا تقول ان الحركة من حيث كانت كسبا ومن حيث كانت حادثة تدل على أمرين غيرين بل نقول إن المكتسب هو المحدث ، وانما أثبتنا لها فاعلا غير المحل وكل ذلك تبيّن وهي ما أوردوه .
شبهة أخرى لهم : قالوا إذا وجدنا الناس مختلفين في أعمالهم فمن قائل بنفيها أصلا ، ومن قائل يقول لا فعل له الا الإرادة ، ومنهم من يقول الإرادة والمراد ، ومنهم من ينفى التولد ، ومنهم من يثبته ، فكيف يصح أن يحدثوا أو يفعلوا ما هم فيه مختلفون ؟ واعلم أن الكلام على هذا قد تقدم ، وبيّنا أن الفاعل لا يجب أن يكون عالما بفعله ، وقد يفعل ما لا يعلمه ، وقد يفعل وهو ساه ، وبيّنا أن فعل الساهي / لو لم يكن من جهته لم يقع بحسب قدرة ، وكان يجب إذا قال إن اللّه تعالى ثالث ثلاثة أن يكون اللّه تعالى هو المنفرد به ، وهذا يوجب كونه منفردا بالكذب على مذهبهم ، فإذا ثبت أنه يصح أن يفعل من غير علم بكيفيته فما الّذي يمنع من كونه فاعلا لأفعاله ، وان لم يعلم ما ذكره السائل من أوصافها ، لأن طريق العلم بذلك هو الاستدلال ، والقادر إذا لم يستدل يكون فاعلا غير عالم بأفعاله ، وإذا جاز عندهم أن يكتسب ولا يعلم نفسه مكتسبا ولا يعلم قدرة حادثة في محل الكسب فهلا جاز أن يكون موجدا لأفعاله وان لم يعلم ما ذكروه من أوصافها ؟ وإذا جاز أن يصوغ من لا يعلم أن الصياغة كسبه فهلا جاز أن يحدث الصياغة من لا يعلمها ؟ وإذا جاز أن يعلم فعل غيره على تفصيله من يستحيل أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 284
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٤