كان الفعل يحتاج إلى الأمرين لكان العلم كالقدرة / فكان يجب ألا يصح من الانسان ايجاد أفعال الجوارح ، وإذا صح أن يكون زيد عالما بفعل عمرو ويستحيل كونه قادرا عليه ، فهلا دل ذلك على أن العلم لا تأثير له في ايجاد الفعل والا كان يجب أن يستحيل كونه عالما بما يستحيل منه احداثه ، كما يستحيل كونه قادرا على ما يستحيل منه احداثه ؟ وقد ثبت أن الواحد منا قد يظن أنه متمكن من حمل جسم عظيم ، فإذا عالجه لم يواته ، وإذا عالج ما هو دونه صح منه ، فيجب أن يكون في ذلك دلالة على أن الفعل يصح مع الظن والشك ، ولو كان يحتاج إلى كونه عالما لم يصح منه ذلك ، على أن هذه العلة توجب ألا يكون الفعل كسبا للانسان ، وذلك لأن المكتسب قد يكتسب ولا يكون عالما بأنه كسب ، ولا بذات المكتسب على سائر وجوهه ، وهذا يوجب ابطال قولهم في الكسب . وتحقق قول الشيخ أبى على رحمه اللّه ان أكثر عللهم في نفى أفعال العباد توجب عليهم ترك القول بالكسب وانما وجب كونه تعالى عالما بما يفعله إذا لم يكن محكما لأنه عالم لنفسه لا لأن مجرد الفعل يقتضي كونه عالما به ، فليس لأحد أن يتعلق به في هذا الباب ، فإذا صح ذلك لم يمتنع من الانسان أن يحدث الفعل على سائر وجوهه وان لم يكن عالما به وبأحواله بالتوصل بذلك إلى أنه ليس بفعل له بيّن الخطأ .
شبهة أخرى لهم : قالوا لو كان العبد هو الّذي أحدث أفعاله مع اختلافها واتفاقها / لصحّ منه أن يستمر على مثل فعله أولا حتى لا يقع فيه تفاوت ، فإذا كتب شيئا يمكنه أن يكتب أمثاله حتى لا يغادر منه شيئا ، وإذا ركع ركعة أمكنه أن يأتي بمثلها وبمثل أركانها من غير فصل ، وإذا بطل ذلك علم أن ذلك ليس من فعله والا صح منه أن يوجده من بعد على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 278
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧٨