أحدثه وفعله ، وهو ممن يمكنه التحرز منه ، وهذا وجه معقول لا يتم لهم .
ولا نقول : انه يعذب عليه ، من حيث كان معلوما ؛ لأنه قبل وقوعه كان معلوما ، ولم يستحق عليه شيئا . وكذلك القول في سائر الصفات التي نرجع إلى جنسه .
وقد بينا ما يتعلق بالفاعل من القبائح ، وما لا يتعلق به ، مما يستغنى به عن إعادة القول فيه . ولا نقول في الكفر : انه كان كفرا لأنه علم أو خلق ، بل لأنه يستحق به قدر من العقاب عظيم ، ان لم يحصل هناك منع ؛ ولذلك خصصنا به بعض المعاصي دون بعض . فان ارتكبوا القول بأنه تعالى ، لو أراد ، لعذّب على جميع ما خلق ؛ فقد بينا من قبل أن هذا مما لا بد لهم من التزامه ، وأنه يلزم عليه هدم الدين والشريعة ؛ وأن لا نأمن المكلّف أن يعذب على الايمان ، بل على خلق النار والأرض ؛ ولا يمكن ، مع هذا القول ، التمسك بشيء من الدين والشريعة .
ومنها ، قولهم : إذا جاز أن يفعل سبحانه الجور ، ولا يكون جائرا ؛ فهلا جاز أن يكون يقول الكذب ، ولا يكون كاذبا ؟ فإن كان الجور يفعله لغيره ، فلذلك لم يجب كونه جائرا ؛ فكذلك الكذب يقوله ، ويجعله / لغيره ، ولا يكون كاذبا . وإذا جاز اثبات فعل من فاعلين ، فهلا جاز اثبات قول القائلين ؟ وإذا جاز أن يخلق تعالى إساءة العبد عندهم ، ولا يكون مسيئا ؛ فهلا جاز أن يخلق احسان العبد ، ولا يكون محسنا منعما ؟ وإذا كان كل فعل في العالم ، فاللّه تعالى ، عندكم فاعله ، وان كان العبد يختاره ؛ فهلا جاز ، في كل قول يحدث ، أن اللّه ، تعالى ، قائله وان وقع بحسب اختيار القائل منا ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 254
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٤