فان قالوا : إذا جاز أن يلزمنا الرضى بعلم اللّه بالأشياء ، ولا نرضى بكل ما علمه اللّه ، تعالى ، فكذلك يلزمنا الرضى بالأشياء المقضية دون ما نهى اللّه عنه .
قيل له : ان الرضى بعلم اللّه مستحيل ، كما يستحيل الرضى بكون القديم قديما . وانما يصح الرضى في الأمور الحادثة على أحد وجهين :
اما أن يراد به أنا نريد حدوثها ، فتقع بحسب مرادنا ؛ واما أن يراد بذلك أنها ، بعد وقوعها ، يلزمنا الصبر عليها ، وأن لا نجزع منها ، ونوطن أنفسنا على احتمال أمثالها ، وترك الكراهة لها ؛ فما تعلقت به ، لا يصح . ولهذا قلنا : ان الرضى بكون الفعل على ما هو عليه لجنسه ، لا يصح ؛ وانما يصح الرضى في احداثه واختراعه . وعندهم أنه تعالى هو المخترع للكفر والمعاصي ، فيجب أن يلزمنا الرضى بها ، كما يلزم الرضى بسائر ما خلق .
ومنها ، أنه لا خلاف بين المسلمين ، أنه تعالى محمود على كل ما فعل ؛ فعلى قولهم ، يجب أن يحمد على خلق الكفر وسائر المعاصي ؛ ولو جاز أن يحمد على الكفر ، لجاز أن يشكر عليه ، ولجاز أن يعتدّ نعمة .
ولو كان ما يؤدى إلى العقاب الدائم نعمة ، لصح فيما يؤدى إلى الثواب الدائم أن يكون نعمة . ولو جاز أن يحمد تعالى على فعل الكفر ، لجاز أن يحمد العبد على اكتسابه . / لأن كل شيء يستحق بالخلق ، على قولهم ، يستحق بالاكتساب مثله ؛ كما يقولون ، فان الانعام على الغير : ان المكتسب يستحق الشكر ، كما أن الخالق يستحق ذلك .
وقد بينا أن ذلك لا يرجع علينا في كونه تعالى ممدوحا على الايمان الّذي فعله العبد . لأنا قد بينا طريقة القول فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 252
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٢