فأما على قول من يقول : ان ذلك كله من خلقه تعالى ، فلا وجه للتعلق بالايهام الّذي ذكره . فأما قولهم : انه تعالى يقال فيه : انه قضى المعاصي بأن تكون قبيحة فاسدة متناقضة مخالفة للطاعة ؛ فبعيد . لأنه لو جاز أن يشترط في ذلك هذا الشرط ، لوجب مثله في القول : بأن اللّه قضى السماوات والأرضين وسائر ما ينزّل بالعباد ؛ فيقيد لئلا يوهم ، فإذا لم يجب ذلك فيه ، من حيث كان تعالى مخترعا له على جميع الوجود ، فكذلك القول فيما ذكرناه من المعاصي . ويجب أن لا يوصف الانسان بأنه اكتسب الكفر ، الا بأن يقال : انه اكتسبه من حيث صار كافرا به واستحق به الذم ، ومن حيث يخالف الخلق والاحداث . فإذا لم يجب ذلك في الكسب ، ولا في سائر ما خلق ، فكذلك ما ألزمناهم .
ونلزمهم أن يقولوا : ان اللّه تعالى قضى الكفر والمعاصي من حيث اخترعها وأنشأها وأحدثها ، لأن ذلك لا يوهم ، ومتى أجابوا إليه ، لزمهم القول : بأنه يجب علينا الرضى بالمعاصي من حيث خلقها قبيحة فاسدة متناقضة . ولن نقول : يجب الرضى بقضاء اللّه الكفر أن يكون قبيحا من غيره ، وبكفر الكافرين ، ومعاصي العاصين ، وأن يكفروا به ويعصوا ، لأن كل ذلك يرجع إلى اللّه ، تعالى .
فأما الرضى بقضاء اللّه ، تعالى ، بموت النبي صلى اللّه عليه وبقاء إبليس ، فإنه مما نقول به ونرضى بكونه ؛ فيجب أن يقولوا هم في المعاصي مثله . / وانما لا نرضى بموت النبي صلى اللّه عليه ، على جهة الفساد والخمول ، وبقاء إبليس ، على وجه ادلال الدين . فأما على غير هذا الوجه ، فواجب الرضى به ، على ما وقع عليه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 250
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٠