ومن لم يخطر له ذلك بالبال ، يصف فاعل الظلم بذلك . ولا يجوز أن يوصف بذلك ، لأنه فعل ما ليس له فعله . لأنهم وصفوا الحيّة بذلك ، ولا توصف بأنها تفعل ما ليس لها فعله . ولأن عندهم أن العبث ليس لفاعله فعله ، ولا يوصف بأنه ظالم ، نحو أن يقول الرجل طول نهاره :
السماء فوقى ، والأرض تحتى . لأنهم يعدونه عابثا ، فاعلا ما ليس له فعله ، ولا يصفونه بأنه ظالم . ولأن الواحد منهم لو أطعم غيره ما هو مضطر إليه أو في وقت وجوب قضاء الدين عليه ، لعدوه فاعلا ما ليس له فعله ، ولا يصفونه بأنه ظالم .
ولا يجوز أن يكون المستفاد ، بوصفه بأنه ظالم جائر ، وضعه الشيء في غير موضعه ، لما ذكرناه . لأنهم قد يعتقدونه واضعا للشئ في غير موضعه ، ولا يصفونه بذلك ، على ما تقدم القول فيه . ووصفهم السهم ، إذا زال عن سمته بأنه جائز ، مجاز عندنا ؛ لأنهم لا يصفون كل ما زال عن سمته بذلك . فلا يصفون الحجر المرمى بذلك ، ولا غيره ، فعلم أنه مجاز ، والا كان يشيع في هذه الفائدة . / ألا ترى أنه لما أفاد وقوع الجور منه ، استمر في كل من فعل الجور ؟
وأما وصفهم السحاب بأنها ظالمة ، إذا جادت بالمطر في غير حينه ، فمجاز . لأنه لو كان حقيقة لاستمر في كل ما له حكم ، وحصل له ذلك أو به في غير الوقت المعتاد ؛ حتى يقال ، في الشجرة إذا تأخر نضج ثمارها ، بأنها ظالمة ؛ فعلم بذلك ، أنه استعمل فيها تشبيها بفاعل الظلم لما كان المبتغى منها المطر في حين ما خطأ به ، كما أخطأ الظالم طريق العدل فأقدم على الظلم . فصح بذلك ، أن وصف الظالم بأنه ظالم ، يفيد في الحقيقة أنه فعل الظلم دون سائر ما ذكرناه من الأقسام .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 231
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣١