تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
عليه تعالى التعمية في خطابه ، أن لا يصح أن يعرفنا مراده بكلامه على وجه . فان قيل : فيما يدفعون قولهم ان العلم إذا دل على صدقه ، لم يجز ظهوره على كذاب ، كالأدلة الدالة على حدوث الأجسام وأحوال الفاعل ؟ قيل له : قد بينا أن تعلقهم بذلك ، لا يصح ؛ وأن قولهم ليس بأولى من قول من قال : انه يدل على الكذب ؛ فلا يجوز أن يدل على الصدق . ونحن نبين القول في ذلك الآن . اعلم أن الأدلة على ضربين : أحدهما يدل على ما يدل عليه ، لوجه يختصه لا يتعلق باختيار الفاعل له وما جرى مجراه . فهذا لا يجوز أن يتغير حاله في الدلالة ، وذلك كدلالة الأعراض على حدوث الأجسام ، والفعل بمجرده على أن فاعله قادر ، وبكونه محكما على أنه عالم . والثاني يدل على مدلوله ، لوقوعه على وجه له تعلق باختيار فاعله ، كدلالة الكلام على ما يدل عليه . لأن الخبر انما يدل على المخبر عنه من حيث قصد به الاخبار عما هو خبر عنه ، ومن حيث كان فاعله على صفة ولا يدل لجنسه . ولذلك قد يوجد على هذا الوجه ، ولا يدل ؛ ولا يجوز أن يقع الفعل ، ولا يدل على أن فاعله قادر . وكل ما دل لشيء يرجع إلى اختيار فاعله ، فلا بد من اعتبار حاله في كيفية الدلالة ؛ لأن الخبر إذا جاز ، والصنعة واحدة ، أن يقع صدقا وكذبا ، فيجب أن يعلم من حال فاعله أنه ممن لا يفعل الكذب ، حتى يكون دلالة . لأن هذا الخبر نفسه قد يجوز كونه / خبرا عن المخبر الّذي إذا كان خبرا عنه كان كذبا ، وعن المخبر الّذي إذا كان خبرا عنه كان صدقا ، فلا بد من أمر به يعلم أنه بأن يكون صدقا أولى من أن يكون كذبا ، وهو أن يعلم من حال فاعله أنه لا يختار الكذب .