فان قالوا : ان العلم المعجز دلالة على / صدق من ظهر عليه ، والأدلة لا تنقلب ، فلا يجوز ظهوره على كذاب . كما أن ما يدل على حدوث الجسم ، لا يجوز حصوله في قديم ، وما يدل على أن زيدا قادر لا يجوز حصوله من عاجز .
قيل لهم : ومتى ثبت لكم أن العلم دلالة على صدق من ظهر عليه ، حتى يسوغ لكم بمثيله بالأدلة التي ذكرتموها ؟ أو لسنا قد ألزمناكم القول :
بأن العلم لم يظهر قد الا على كذاب ، ان كان تعالى يجوز أن يخلق الضلال ؟ وانما كان يتم ما ذكرتم ، لو ثبت كونه دلالة على الصدق ، فكان يقال : انه لا يجوز أن تنقلب سائر الأدلة .
فان قال : أقول إنه يدل على الصدق ، لمثل ما له تقولون ذلك ، ويصح لي ما ذكرته .
قيل له : انما صح لنا القول : بأنه يدل على صدقهم بناء على أصول تركتم القول بها . لأنا نقول : يجب أن نعلم أولا أن فاعل العلم حكيم لا يجوز أن يفعل القبائح ولا أن يصدّق كذابا . فإذا أظهر العلم عند ادعاء النبوة ، وقد علم أنه لا يفعل ذلك بالعادة ، علم أنه فعله على جهة التصديق .
وذلك لا يتأتى لكم من وجوه :
منها ، أنكم تضيفون كل القبائح إليه . ومنها ، أن خلاف العادة يجوز عندكم أن يفعله من غير أن يتعلق بالدعوى . ومنها ، أنه لا يجوز ، على قولكم ، أن يكون للرسول تأثير في الدعاء إلى ما يدعو إليه إذا كان ما يوجد في أمته يخلقه فيهم اختراعا لا محيص لهم منه . ومنها ، أن الشيء يحسن عندكم بأمره تعالى ، فيجب أن تجوّزا أن يدعو إلى الضلال وعبادة الأصنام ، ويكون ذلك حسنا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 213
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٣