فان قالوا : لو جوزنا اظهار المعجزة على كذاب ، / لأدى إلى أن لا يوصف تعالى بالقدرة على أن يعرفنا صدق أحد من الأنبياء ، والفصل بين الصادق والكاذب ، ولا أن يدلنا على ذلك . وهذا تعجيز للّه ، تعالى ؛ فلذلك لم يلزمنا هذا القول .
قيل له : كلما زدت في افساد هذا القول واستحالته ، كان أبين فيما ألزمناك . لأنا أبطلنا قولك من حيث يؤدى إلى هذا القول الّذي زعمت أنه يؤدى إلى التعجيز ، فيجب كون القول الأول فاسدا . لأنه لا فرق بين ما يؤدى إلى الفاسد . وبين ما يؤدى إلى ما يؤدى إلى أمر فاسد . ولو جاز في مثل هذا ، أن يتمسك بالمذهب الأول ولا يقال بالثاني من حيث يؤدى إلى فاسد ، لجاز لأكثر المبطلين التعلق بمثله فيما يلزمهم ، على قولهم ، من الفساد ؛ وهذا ظاهر . فيجب أن يتركوا القول بأنه تعالى يفعل القبيح لئلا يلزم عليه سائر ما ذكرناه .
على أنا قد بينا أنه تعالى يصح أن يعرفنا الفصل بين الصادق والكاذب ضرورة ، فما ظنوه ساقط . والكلام في أنه إذا اضطرنا إلى ذلك هل يبقى التكليف أو يزول ، لا يؤثر في صحة وصفه بالقدرة على ذلك . على أن قولهم : يجب أن يبقى التكليف ، وان اضطر إلى ذلك ، لأنا انما نمنع ذلك في بعض المواضع لتعلق بعض التكليف ببعض من جهة اللطف ، وعلى قولهم ، لا يصح ذلك . على أنه يلزمهم أن لا يوصف تعالى بالقدرة على تعريفنا الفصل بينهما ، وان قدر على جنس الخبر وسائر الأفعال . كما لا يوصف بالقدرة على أن يعرفنا أنه صادق ، مع أنه يفعل الكذب وسائر القبائح ؛ وهذا واجب على مذهبهم . وعلى هذا الوجه / ألزمنا ، من جوز
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 214
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٤