قيل له : انما قصدنا بما قدمناه أن نلزمك على قولك : أن لا يصح أن نعلمه صادقا في شيء من أخباره ، وأن لا نأمن من كونه كاذبا في جميعها ؛ فكيف نزيل الكلام عنك بنفس المقالة التي أبطلناها عليك ؟ على أنه ، ان استحال أن يتفرد بالكذب عندهم ، فيجب كونه عاجزا عن ذلك . كما قالوا :
ان الانسان عاجز عن الاختراع عجز بينة ، وفصلوا بينه وبين ما يعجز عنه لمعنى من الاكتساب ؛ فيجب على ذلك كونه تعالى عاجزا عن ذلك عجز ربوبية ؛ وهذا مما لا محيص لهم منه . وكذلك يلزمهم القول في الاكتساب إذا قالوا : انه تعالى لا يصح أن يكتسب ، وان صح أن يخلق .
وقد ألزمهم شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، على قولهم : ان ما يقبح منا ، يحسن منه القول بأن الشيء الواحد يكون حسنا في العقل ، قبيحا في العقل ، وأن يكون استحساننا له استقباحا ، واستقباحنا له استحسانا ؛ وأن يكون حسنه قبحه ، وقبحه حسنه ، وأن يكون ما يحسن له يقبح .
وألزمهم تجويز كون الفعل الواحد خطأ منا ، صوابا من اللّه ؛ جورا منا ، عدلا من اللّه ؛ كذبا منا ، صدقا من اللّه ؛ كما جوزوا كونه قبيحا منا ، حسنا من اللّه .
وألزمهم القول بتجويز كون الفعل الواحد واجبا على اللّه ؛ قبيحا منا بأن يحصل فيه ما له يجب عليه ، وما له يقبح منا . لأن اجتماع الوجه الّذي له يجب ويقبح ، ليس بأبعد من اجتماع الوجه الّذي له يقبح ويحسن .
فإذا جاز ذلك عندهم في كونه حسنا قبيحا ، جاز مثله في كونه قبيحا واجبا .
وألزمهم تجويز كون الفعل الواحد حسنا قبيحا من فاعل واحد / من وجهين ، نحو أن يقول الانسان لكاذب وصادق : كذبتما أو صدقتما ؛ ان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 209
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٩