لا يؤدى إلى أن يوصف بالقدرة إلى أن لا يفصل بين الصدق والكذب ، فكذلك وصفه بأنه يتفرد بذلك لا يؤدى إليه . على أنه تعالى قادر على أن يضطرنا إلى معرفة الصدق . ومفارقته للكذب ، وان تفرد بفعل الكذب وخلقه كسبا للعباد ، فلا يؤدى إلى ما قالوه .
فان قالوا : ان الاضطرار إلى ذلك مع التكليف لا يصح .
وهذا انما صح لنا القول به ، لأن الحكمة تقتضى ذلك .
فأما إذا قالوا : انه تعالى يفعل كل قبيح .
فتعلقهم بذلك لا يصح .
فان قالوا : لو خلق الكذب متفردا به ، لكان الكاذب به هو المحل دونه . وكذلك لو تفرد بالظلم ، فلا يلزمنا ما ذكرتم .
قيل له : انا لم نلزمك أن يوصف تعالى بأنه كاذب بذلك ، وانما ألزمناك أن يتفرد بخلقه ، وبخلق الجور والظلم ، إلى سائر ما ذكرناه . وبينا أن التزام ذلك يؤدى إلى أن لا يوثق بشيء من الّذي سمى تعالى بأنه ظالم كاذب ، أو لم يسمّ بذلك . لأن ذلك كلام في عبارة ليس في التزامها الا ما في الامتناع منها ، وان كنا نبين من بعد أن ذلك لازم لهم ، على قولهم ، لا محيص منه . وقد بينا ، في باب الكلام ، أنه لا يجوز أن يكون المتكلم بالكلام محله ، ولا ما المحل بعضه ؛ ودللنا على ذلك بوجوه ، وبينا أن المتكلم بالكلام الحالّ في اللسان ، هو الانسان من حيث فعله ووقع بحسب قصده ودواعيه ، فكيف يمكن أن يقال : لو تفرد تعالى بفعل الكذب لكان الكاذب به هو المحل ؟
فان قال : لو جوزنا / أن يتفرد ببعض الكذب ، لما صح أن نعلمه صادقا فيما أخبر به ، وقد ثبت أنه صادق ، ووقع العلم به .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 208
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٨