وليس لهم أن يقولوا : انه تعالى لا يوصف بالقدرة على أن ينفرد بالكذب والظلم ، وانما يصح أن يفعله كسبا ، فلا يصح ما ألزمتموناه ؛ لأنكم أوجبتم علينا أن نفعل ما لا يوصف بالقدرة عليه ، من حيث خلق القبائح من أفعالنا .
وذلك لأن المجبرة فريقان : أحدهما يقول : انه تعالى يصح أن ينفرد بما يخلقه كسبا للعبد ؛ وفيهم من لا يصفه بالقدرة على ذلك . وقد بينا بطلان هذا القول ، وأنه يلزم على قوده القول : بأن قدرة العبد ، قدرة للّه تعالى من حيث لا يصح أن يخترع الا وهذه / القدرة موجودة ، كما لا يصح من العبد أن يكتسب الا عند وجودها . واستقصينا القول في ذلك ، وذلك يبطل تعلقهم بهذا القول . على أنا قد دللنا في أول باب العدل على أنه تعالى موصوف بالقدرة على ما لو وقع لكان قبيحا ، وكل ذلك يبطل ما تعلق به هذا القائل . على أن من قولهم : أنه تعالى ، من حيث كان قادرا لذاته ، يجب كونه قادرا على كل مقدور ، وعلى كل وجه يصح أن يقدر عليه . وقد بينا أن الحركة التي هي ظلم ، والقول الّذي هو كذب ، لا يحتاج في وجوده في المحل إلى القدرة ؛ فيجب أن يصح منه تعالى ايجادهما في المحل ، وان لم توجد فيه القدرة . وهذا يوجب صحة وصفه بالقدرة على أن ينفرد بخلق الظلم والكذب . فان قالوا : انا نقول : انه صادق لنفسه وأمر بالحسن لنفسه ، فلا يجوز أن يكذب أو يأمر بالقبيح ، كما لا يصح الجهل عليه من حيث كان عالما لنفسه . فقد بينا ، في باب الكلام ، بطلان هذا القول بوجوه كثيرة ، وبينا أن الكلام لازم لهم على تسليم هذا القول بأن يفعل الكذب فيكون كاذبا به ، ولا ينافي ذلك كونه صادقا لنفسه ، لأن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 204
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٤