لكونه عليه ليس له فعله ، ويصح أن يستحق به الذم . فإذا صح أنه لا يخلو مما ذكرناه ، فلو قبح منه ما يقبح من العبد ، وصح مع ذلك أن يخلقه ، لم نأمن أن يخلق سائر القبائح منفردا بها فيكذب في أخباره ويأمر بالقبيح ، وينهى عن الحسن ، ولا يفي بشيء من وعده ووعيده ، ويعذب الأنبياء ، ويثيب الفراعنة ، ويتفرد بكل ظلم . لأنه إذا جاز أن يفعل القبائح مع قبحها منه ، لم يؤمن من كل ما ذكرناه . وكذلك ان قالوا : ان ما يقبح منا يحسن منه فعله ، تلزمهم هذه الأمور . وهذا يوجب أن لا يوثق بالشريعة ، لأن مدارها الكتاب والسنة والاجماع .
وعلى هذا القول يجب أن لا يؤمن من كون القرآن كذبا ، وأمرا بقبيح ، ونهيا عن حسن . ويجب أن لا يؤمن كون النبي كاذبا أو صادقا ، / مضلا عن الدين ، وان ظهرت المعجزات عليه . ويجب أن لا نأمن مثل ذلك في الاجماع . وهذا يوجب أن لا يوثق بشيء من الدين ، وأن يجوز ، فيما نعتقده كفرا ، أنه الدين الصحيح ؛ وفيما نعتقده ، دينا وايمانا ، انه كفر .
ويوجب أن لا يحق له العبادة ؛ لأن العبد لا يأمن ، وان تناهى في طاعته ، أن يعاقبه بعقاب دائم ؛ كما لا ييأس ، وان تناهى في معصيته ، من الثواب الدائم . وهذا يوجب أن طاعته كمعصيته ، وأنه انما يجب أن يطاع هربا من شره ، وان لم يقع به المخلّص مما يريده بالعبد . ويوجب أن لا نأمن ، فيمن تقدم من الأمم ، أن يكون تعالى كلفهم عبادة غيره ، والسجود للأصنام ، والكفر به ، وادعاء آلهة معه ، وكفر نعمه . لأنه ان كان ذلك يحسن منه أو يقبح ، فسبيله سبيل سائر القبائح التي خلقها . وكل مذهب يؤدى إلى بعض ما ذكرناه ، فضلا عن جميعه ، يجب القضاء بفساده .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 203
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٣