يشكروه تعالى ، لأن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه التعظيم له .
فإذا لم يكن له تعالى عليهم نعمة من حيث خلق الكفر فيهم ، فكيف يلزمهم شكره ؟ وقد بينا أن خلقه لهم أحياء ، وتمكينه إياهم ، لا تعتد به نعمه ، مع خلقه الكفر فيهم . فلا يصح لهم القول : بأنه يستحق عليهم الشكر ، لخلقه ذلك ، وان خلق فيهم الكفر .
ولا يمكنهم أن يقولوا : انه أتى في الكفر من قبل نفسه ، فلا يكون تعالى مضرا به بأن خلقه فيه لأمور منها ما بيناه من أن كونه كسبا لا يعقل ؛ ولو عقل ، لم يرجع إلى الجملة ، ولا أخرج الفعل من أن يكون غير متعلق بالعبد . ومنها أن وجه كون الكفر ضررا يرجع إليه تعالى ، لأنه جعله كذلك وأحدثه عليه ، على ما يذهبون إليه في هذا الباب . فيجب أن يكون ، من قبله تعالى ، أتى في هذا الضرر الّذي خرج به من أن يكون منعما عليه .
ومنها أن الضرر في ذلك هو ما سيفعله به من العقاب الدائم ، وذلك مما ينفرد به . فكيف يقال : ان العبد من قبل نفسه أتى في ذلك ؟
وليس لهم أن يقولوا : انه يستحق الشكر على العبد ، لأنه إله ، أو لأنه خالق فقط . ولا يؤثر خلقه الكفر فيه / في استحقاقه ، كما لا يخرجه من كونه إلها خالقا . وذلك لأن الشكر في الشاهد لا يستحقه بأن يفعل ما لا تعلق له بالمستحق ذلك عليه ، وانما يستحقه إذا أنعمنا عليه . فيجب أن يكون الغائب كالشاهد في هذا الباب . ولذلك يتعاظم الشكر ، بحسب تعاظم النعم لولا أن الأمر على ما قلناه لوجب أن يستحق تعالى الشكر على الجماد ، لأن كونه إلها ليس يختص الحق دون الجماد ، الا أن نرجع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 200
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٠