تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
علمنا فساد ذلك ، لما دللنا عليه في أول باب العدل فيجب القضاء بفساد ما يؤدى إلى صحته . وعلى هذا الوجه يلزمهم أن لا يكون للدواعى تأثير في فعل العبد ، لأنه تعالى هو المحدث لذلك ، فوجود دواعيه كعدمها . وكان يجب أن يكون العالم كالساهى فيما يقع منه من الأفعال . وفي علمنا بتأثير الدواعي في الأفعال ، دلالة على فساد ما ذهبوا إليه . وجه آخر : لو كان تعالى هو المحدث لفعل العبد ، لوجب أن يصح منه أمره ونهيه ، لأن الآمر يصح منه أن يأمر غيره بفعله وينهاه عن فعله ؛ وذلك معقول في الشاهد . ولا يمكن أن يقال : انه ، وان كان فعله تعالى ، فمن حيث كان للعبد فيه صنع ، وهو كونه مكتسبا له ، حسن أمره به ونهيه عنه . لأنا قد دللنا على أنه لا وجه للكسب يفعل عليه ، وبينا أنه لو كان له وجه معقول لم يرجع إلى الجملة التي تؤمر وتنهى . وبعد ، فلو صح أنه مكتسبه ، وأنه يتعلق به من حيث كان كسبا على وجه معقول ، لكان الكلام متجها . وذلك لأنه لا يصح أن يكتسب الا بأن يوجده تعالى ، ولولا ايجاده واحداثه لما صح أن يكتسبه ؛ فقد صار كونه مكتسبا ، متعلقا باختيار القديم ، تعالى . فكما لا يصح أن نأمر زيدا بفعل لا سبيل له إلى أن يوجده الا باختيار عمرو ، فكذلك يجب أن يقبح هذا الأمر . ولا فرق بين أن يكون فعل زيد غير مقدور له ، أو يتعلق وقوعه بأمر لا سبيل له إليه في أن في الوجهين جميعا يجب قبح أمره به . ويجب أن يقبح أمره بالفعل من وجه آخر ، وذلك لأنه متى وجد الفعل وجد على وجه لا سبيل له إلى أن ينفك منه ، ولم يكن له إلى ذلك سبيل من قبل .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 192 | القاضي عبد الجبار الهمذاني