كلا العلمين لا تأثير له في اتساقه . وكان يجب / أن يصح منه فعل الكلام بلسانه مرتبا لوجود علم غيره على حسب ما يجوز منه لوجود علمه . فان ارتكب القول بأن ذلك جائز ، وأن العادة يصح أن تختلف فيه ، لم يمكنه اثبات العبد قادرا على الكسب أصلا ؛ لأن تعذر الفعل المحكم من الجاهل وممن ليس بعالم ، كتعذر نفس الفعل من العاجز . فان جاز وقوع المحكم من الأفعال من الجاهل بخلاف ما نعقله في الشاهد ، ليجوزن وقوع نفس الفعل ممن ليس بقادر . وهذا يوجب عليهم ارتكاب مذهب جهم في أن لا قادر في العالم ، وأن الأفعال كلها ضرورية . وقد ثبت فساد ذلك بما قدمناه ، والقوم لا يرتكبونه .
وقد ألزمهم شيوخنا ، رحمهم اللّه ، على ذلك القول ، بأن الجاهل يحسن أمره بالأفعال المحكمة ، لأنه يحتاج في ايجادها كذلك إلى شيء سوى القدرة .
ومن قولهم : ان تكليف زيد الفعل الّذي لا يحتاج فيه الا إلى القدرة يحسن ويصح . وبينوا أن تكليف الأعمى نقط المصاحف أعظم في القبح من تكليف العاجز الفعل ، وتكليف الجماد . وهذا مما نستقصيه في باب القدرة .
وجه آخر : لو كانت أفعال العباد مخلوقة للّه ، سبحانه ، لوجب أن يصح أن يقع ما يحتاج فيه إلى الآلة بلا آلة ، لأنه تعالى لا يحتاج في خلق الصعود في زيد إلى السلم ، والطيران في الطير إلى الجناح ، والكتابة في الورق إلى القلم واليد . فكان يجب أن تكون الآلات ، وجودها كعدمها ، في أنه لا يحتاج إليها آلة . وكان يجب أن لا يخلّ فقدها بتعذر ما هي آلة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 187
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٧