لو ثبت ذلك ، كان لا يمكن اثبات علم العبد من حيث صح منه تعالى ايجاد الفعل محكما ، لكونه عالما ، / وان لم يحصل علم العبد . ولا يمكن أن يقال :
ان جهل العبد بكيفية الفعل ، يحيل ايجاده من جهة القديم ، تعالى . وذلك لأن مثل هذا الفعل المحكم ، قد يصح أن يفعله تعالى مع جهل العبد ، فكذلك هو بعينه ؛ ولأن الجهل لا ينافي تأليف الكتابة والصياغة ، فكان يجب أن يصح وقوع الفعل المحكم من الجاهل ، ونقط حروف القرآن من الضرير حتى يأتي به على الصواب ، ولا يتمكن البصير العالم من ذلك بأن لا يخلقه تعالى فيه .
فان قال : يجوز ذلك عندنا ، وان كانت العادة قد جرت الآن أن لا تحدث الأفعال المحكمة الا في العلماء ، ولولا العادة لجوزنا ذلك .
قيل له : ان ما ادعيته من العادة لا يصح اثباته مع هذا القول ، لأنه يجب أن لا نأمن في كل من نظنه عالما ، من حيث وقعت منه الأفعال المحكمة ، أنه غير عالم ؛ وإذا لم نعلم ذلك ، لم يصح أن ندعى فيه عادة ، لأن اثبات العادات انما يصح فيما علم وقوعه من الأمور ، فيدعى استمراره .
وبعد ، فيجب أن يجوز أن تكون العادة في ذلك مختلفة بالأوقات والأماكن ، وأن يكون أهل الصين وغيرها من البلاد يقع منهم الأفعال المحكمة مع الجهل بكيفيتها ، ويستمر ذلك فيهم كاستمراره في العلماء منا .
وكذلك فيما مضى من الأزمان ، يجب أن يجوز ذلك .
على أن علم العبد إذا لم يكن له تأثير في اتساق الفعل ، لأن اللّه ، تعالى ، يحدثه كذلك ؛ فيجب أن يجوز من زيد أن يفعل بيده من الفعل المحكم لوجود العلم في قلب غيره ، مثل ما يجوز منه ذلك إذا وجد في قلبه ، لأن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 186
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٦