فصل في ذكر حقيقة الضرورة والإلجاء والمخلوق والكسب وما يتصل بذلك .
اعلم أنا قد بينا ، من قبل ، حدّ المخلوق ، ودللنا على أن هذه الصفة تستعمل في غير اللّه ، تعالى ، وأنها تفيد كون المحدث مقدورا ، فصلا بينه وبين الفعل الواقع على جهة السهو والتبخيت . وبينا أن هذا أولى مما سواه من الحدود .
وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : انما سمى الخالق خالقا من حيث قصد بالفعل إلى بعض الأغراض . وقال : ان تسمية المخلوق توجد من معنى هو الخلق ؛ والخلق والتقدير هما ارادتان ، ولا يوصف الخلق بأنه خلق الا والمخلوق موجود ، ومتى كان معدوما لم يسمّ خلقا ، والتقدير لا يسمى خلقا الا بشرط وجود المقدور ، ولا مخلوق الا محدث ، / وقد يكون محدثا ليس بمخلوق ، لأنه يفيد صفة زائدة على حدوثه .
وقد بينا : أن القول بأن هذه الصفة مشتقة من معنى ، يبعد ؛ وأن الّذي قاله أبو علي ، رحمه اللّه ، في هذا الباب أولى وأقرب إلى التعارف والاستعمال وبيّنا أن ما يحتج به ، رحمه اللّه ، في أنه اشتقاق من قول الشاعر : وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى « 1 » . انما يريد به أنه يخلق ما يفعله في الأدم « 2 » من التقدير ، لا أنه أراد به أنه يريد ولا يقطع .
هامش
( 1 ) جزء من بيت لزهير يمدح فيه هرم بن سنان ، والبيت هو :
ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى - تاج العروس ج 6 ص 335 .
( 2 ) الأدم : الأديم الجلد ما كان أو أحمره أو مدبوغه ، التاج .