وقد دللنا على أن مقدور غيره لا يصح كونه مقدورا له ؛ فالقول بأنه لا يوصف بالقدرة عليه لا يوجب التعجيز . ومتى قال القائل : انه لا يوصف بالقدرة على مثل ما يقدر عليه ؛ أوجب ذلك ، من حيث علم بالدليل ، أنه لا جنس الا وهو تعالى قادر عليه ، وأن القادر لنفسه لا يقصر حاله في تناول مثل مقدورات القدر عن القدر . فكما أن احدى القدرتين يجب كونها قدرة على مثل ما الأخرى قدرة عليه ، فكذلك القول في القادر لنفسه ، وهذا يبطل ما تعلقوا به .
وبعد ، فإنه يجب عليهم ، إذا كان قائلا بمثل قولنا ومخبرا بمثل خبرنا ، أن يكون قائلا بنفس قولنا ومخبرا بنفس خبرنا ، والا أوجب بذلك التعجيز أو النقص . على أنه يجب على هذا القول أن لا يوصف سبحانه بالقدرة على أن يقدر عمرا على مقدور زيد ، والا وجب التعجيز ؛ كما يوصف بالقدرة أن يقدره على مثل مقدوره ، وهذا يوجب جواز فعل من فاعلين في الشاهد .
فإذا بطل ذلك ، بطل ما قالوه .
سؤال . قالوا : قد وجدنا للفعل ايجادا واعداما ، فإذا وجب كونه قادرا على اعدام فعلنا ، وجب كونه قادرا على ايجاده ، وهذا يوجب صحة كون فعل من فاعلين .
واعلم أن / اعدام الشيء لا تتناوله القدرة ، وانما يقدر القادر على ما إذا وجد وجب عدم الشيء عنده . فمتى قلنا : انه تعالى قادر على افناء فعل زيد ، فالمراد به أنه قادر على ايجاد ضده ، فلا يجب كونه قادرا على ايجاد فعله من حيث قدر على ايجاد ضده . ألا ترى أن زيدا يقدر على ما يضاد فعل عمرو وينافيه ، ولا يجب كونه قادرا على ايجاد فعله ، والواحد
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 158
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٨