على أن الّذي ذكروه في القديم ، تعالى ، لا يصح لهم ؛ لأنه يصح كونه في الأماكن كلها ، ولا يختص بمكان دون / مكان لو صح ذلك عليه ؛ ولا يجوز عندهم تعلق القدرة بأكثر من قادرين ؛ فكيف يقاس أحدهما على الآخر ؟
سؤال : قالوا : لما كان فعل العبد لا يكون الا بجارحة وبقدرة ، ولم يستغن أحدهما عن الآخر ؛ فكذلك يجب أن يكون لها فاعلان مختلفان أحدهما خالق والآخر مكتسب ، ولا يستغنى بكل واحد منهما عن الآخر .
واعلم أن الفعل لا يكون بالجارحة ، وان كان يحتاج في حال وجوده إلى أن يكون حالا في بعضها . ولا يجب أن يكون كائنا بها من حيث احتاج إليها ، كما لا يجب أن يكون العلم كائنا بالحياة من حيث احتاج إليها ، والعرض كائنا بالمحل من حيث يحتاج إليه . ولو كان ذلك صحيحا لوجب كون المحل فاعلا ، ولتعلق به أحكام الفعل من الذم والمدح والعقاب ، ولما تصرفت الجملة بإرادة واحدة . ولا فصل بين أن تكون الجارحة آلة أو غير آلة ، لأنها وان كانت آلة فالفعل لا يكون بها وان كان الفاعل في ايجاد الفعل يحتاج إليها كما يحتاج إلى المحل .
فأما القدرة ، فالصحيح أن الفعل يكون بالقادر ، وان كان لا يحصل قادرا الا بها ؛ وأن لا يقال : ان الفعل يكون بالقدرة . ولذلك يصح الفعل منه إذا كان قادرا ، وان لم يكن قادرا بقدرة .
وهذه الجملة تبين فساد ما ظنه السائل وجعله أصلا . وإذا بطل ذلك فيه ، لم يصح حمل الفرع عليه . ولو صح ما قاله أيضا ، لكان انما تجب حاجة الفعل إلى فاعلين مختلفين ، متى بين أن علة حاجته إلى قدرة وجارحة موجود في الفرع . فإذا لم يبين ذلك ، فليس الجامع بينهما من غير علة ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٨