ولا يجوز أن يكون المتكلم بالكلام من حلّ بعضه ، لأن ذلك يوجب أن يكون المتكلم هو اللسان ، لأن الكلام يحل بعضه ، وكان لا يكون الإنسان بأن يكون متكلما أولى من اللسان ، بل كان يجب كونه بهذه الصفة أحق لأنه أخص بكون محلّه بعضا له ، ولوجب كون الصدى متكلما دون الإنسان . ولو صح ذلك فيه ، مع علمنا بأنهم يصفون به من وقع الكلام بحسب قصده على طريقة واحدة ، لصح أن يقال : إن العالم بالعلم هو ما حلّ العلم في بعضه من القلب ، وإن علم أن الموصوف به هو من اختصّ بحال يفارق بها غيره .
على أنه كان يجب على الوجهين جميعا أن يوصف القديم جل وعز بأنه متكلم ، لاستحالة حلول الكلام فيه أو في بعضه ، ولا أنه آمر وناه « 1 » . وبطلان ذلك يوجب فساد ما قدّمناه .
ولا يجوز أن يكون الكلام كلاما للمتكلم لأنه أوجب له حالا كالعلم وغيره ، لما قدّمناه من الوجوه . فيجب أن يكون المتكلم متكلما به لأنه فعله على ما قلناه .
فإن قال : هلا قلتم : إنه إنما يكون متكلما به لأنه قائم به على ما يذهب إليه ؟ .
قيل له : لأن قولنا في الكلام إنه قائم بالمتكلم كالمحل « 2 » ، ولذلك يحتاج إلى تفسير ، فإن أريد به أنه قائم به من حيث حله أو حل بعضه ، أو يوجب له حالا فقد بينا فساد ذلك . وإن أريد به أنه وجد من جهته ، فهو ما نذهب إليه .
ولا يمكن أن يقال إنه متكلم به لأنه قائم به ، ويراد بذلك أنه يدوم ويبقى به ، لأن البقاء لا يجوز / عليه أو لأنه يدبره ، كما يقال في البلد إنه قائم بالأمير .
يعنى أنه يدبره ويسوسه ؛ لأن ذلك يستحيل في الكلام . فصح أنه لا يجوز أن يراد به إلا ما قدّمناه .
هامش
( 1 ) الأصل : « آمرا وناهيا » .
( 2 ) الأصل : « كالمحمل » .