تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
ومما يدل على ذلك : أنه قد ثبت صحة وجود الكلام في الصدى ، وأنه لا يصح كونه كلاما للمحل أو لما المحل بعضه ، ولا للقديم سبحانه ، لأن ذلك الكلام قد يكون كذبا وسفها وعبثا . وقد بينا أنه سبحانه لا يفعل القبيح ، بل يجب أن يكون المتكلم به هو الإنسان الّذي يوجد ذلك الكلام بحسب قصده ودواعيه . وهذا يبين أن حقيقة المتكلم أنه فعل الكلام . على أنا قد علمنا أن للكلام تعلقا بالمتكلم يقتضي أنه بأن يكون متكلما به أولى من غيره . ولا بد من كون ذلك التعلق معقولا ، فلا يخلو من أن يكون إنما وصف به لأنه حلّه ، أو لأنه حل بعضه ، أو لأنه أوجب له حالا ، أو لأنه فعله ؛ لأن ما عدا هذه الوجوه من التعلق لا مدخل له في هذا الباب . ولا يصح أن يكون الكلام كلاما لمحله ، لأنه كان يجب أن يوصف به اللسان دون الإنسان ، وكان يجب مثله في سائر أقسامه وضروبه حتى يكون هو المخبر والآمر والناهي . ولوجب أن يكون هو المذموم بالقبيح منه والممدوح بالحسن . وفساد ذلك في الظهور بمنزلة قول من قال : إن الضارب هو المحل ، وكذلك المتحرك والمسكن والفاعل ، وهذا يوجب ألّا يحصل الفعل مقصورا على إرادة الجملة ودواعيها ، وأن يكون كل محل منه قادرا عالما حيّا . على أنه لا يجب أن يحصل المحل متكلما قط ولا غيره ، لأن الكلام اسم لجملة من الحروف . ولا يصح وجودها في محل واحد لحاجتها إلى أبنية مختلفة ، فكان يجب ألا يحصل قولنا « زيد في الدار » كلاما لمتكلم ، لوجوده في محال متغايرة ، واستحالة وجود جميعه في / محل واحد .