فإن قال [ قائل ] : أليس العلم الضرورىّ بحال الشيء يحتاج إلى علم ضرورىّ بذاته ، وضده لا يحتاج إلى ذلك ، فهلا تبينتم بذلك فساد ما أصّلتموه ؟
/ قيل له : إن ما قدّمناه هو جواب عن هذا السؤال ، لأن حال العلم لم تتعلق بحاله ، ولأن كونه ضروريا اقتضى كون الأصل ضروريا ، لا أنه احتاج في وجوده إليه . وفي ذلك إسقاط هذا السؤال .
على أنا قد بينا في « الجامع الصغير » أن كون العلم بحال الشيء لا يمتنع أن يكون ضروريا ، وإن كان العلم بذاته مكتسبا ، وإنما لا يصح كونه مانعا من نفى العلم بذاته . فأما وجوده فإنه يصح ، ولا يعترض بذلك [ ب ] الموت ، لأمرين : أحدهما ما قلناه [ من ] أنه لا دليل على إثباته .
والثاني أنه ليس بضد للحياة في الحقيقة ، وإنما يؤثّر في المحل ما يؤثره الانفصال من الحي ، فيخرجه من أن يكون نقيضا له ، وذلك يكشف عن سقوط التعلق به .
وأما الفناء فغير لازم على ما قلناه ، لأن الجوهر والفناء لا يحلان ، فيقال :
إن أحدهما يحتاج في وجوده في المحل إلى ما يحتاج الآخر إليه ، بل كلاهما يوجد « 1 » لا في محل . وذلك يبطل التعلق به .
ولسنا نقول : إن الجوهر يحتاج في وجوده إلى الكون ، فيقال لنا : يلزمكم على ما ذكرتموه حاجة الفناء إليه أيضا .
على أنه لو ثبتت حاجته إليه أيضا لم يلزم على ما أصلناه ، لأنا قلنا : إن كل معنى احتاج في وجوده إلى معنى في محله ، فيجب أن يحتاج ضدّه إليه ، وذلك لا يتأتى في الجوهر لو احتاج إلى الكون .
هامش
( 1 ) في الأصل : « يوجدان » .