ويلزمكم أن يكون الخالق مخلوقا لجواز كونه مقدرا ؟ وذلك يوجب إثبات ما لا نهاية له . وكل ذلك يبطل ما ذهبتم إليه .
قيل له : إن شيخنا أبا هاشم رحمه اللّه جوّز أن يخلق الإنسان فعل غيره ، ويوصف بأنه خالق لفعل غيره ، على ما ذكرناه في الأديم ؛ لأنه وإن كان من فعل اللّه سبحانه ؛ فالمقدّر له يوصف بأنه خالق له . وجوّز أن يوصف زيد وعمرو بأنهما خلقا الأديم ، إذا قدّراه ، وقال : لا يوصف المعدوم بذلك وإن قدّره المقدر ، لأن التقدير إذا تعلق بالموجود يسمى خلقا ، وإذا تعلق بالمعدوم لا يسمى بذلك . كما أن الإرادة متى تعلقت بالمعدوم يصح أن يسمى عدما ، ومتى تعلقت بالموجود لم يسم بذلك . ويقول في الخلق : إنه ليس مخلوقا ، لأنه ليس بمراد ؛ لأن الإرادة لا يجب أن تراد ، فلا يؤدى ذلك إلى ما لا نهاية له .
وإنما أجاب بذلك لأن عنده المخلوق مخلوق يخلق كما أنه مقدر بتقدير ، والخلق عنده هو التقدير ، فلذلك أجاب بما قدمناه .
فأما شيخنا أبو علي رضى اللّه عنه فإنه يقول : إن وصفه بأنه مخلوق ليس بمشتق من معنى ، وإنما يفيد أنه حدث مقدرا من فاعله ، ويحيل كون الفاعل خالقا لفعل غيره وإن أراده وقدّره . وإنما جعله خالقا لفعل نفسه . ويحيل كون الاثنين خالقين / للشئ الواحد ، كما يحيل فعلا من فاعلين ، ويقول : إن قولهم :
إن زيدا خلق الأديم مجاز ، والمراد به : خلق تقدير الأديم ؛ لأن تقديره للأديم هو فعل يحدثه فيه . فعلى قوله يسقط جميع ما سأل عنه .
وعلى القولين جميعا يجب وصف القرآن بأنه مخلوق ، ولذلك لم نتشاغل بترجيح أحد القولين وبيان الأصح منهما عندنا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 220
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢٠