فإن قيل : أليس اللّه جل وعز قد قال :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
« 1 » و
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ؛ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
« 2 » ففرق بين الخلق والتقدير ، فدل على أن الخلق هو الإنشاء والإبداع ، والتقدير ، وهو الانتهاء إلى المقدار الكافي ؟ .
قيل له : لا يمتنع أن يكون الخلق والتقدير واحدا ، وإن ذكرهما كما قال سبحانه وتعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
« 3 » فكما وجب حملهما على أن المراد بهما أمر واحد ، فكذلك القول في الخلق والتقدير لما دللنا عليه .
وبعد : فإن قوله جل وعز
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
« 2 » المراد به أنه خلقه على صفة بعد أن خلقه على أخرى ، فلذلك كرره .
فأما ما يتعلقون « 4 » به هؤلاء الجهال من أنه لو كان مخلوقا لمات ؛ فقد ألزمهم عليه شيخنا أبو علي رحمه اللّه القول بأن الموت يموت ، لأنه مخلوق . وكذلك موت الموت ، وهذا يؤدى إلى ما لا نهاية له .
ويلزمهم القول بأن الأعراض تموت من سواد وبياض وغيرهما ، ولا يمكنهم ارتكاب ذلك ، وإنما / يرتكبون في الأجسام أنها تموت ، وذلك محال ؛ لأن الّذي يصح الموت عليه منها هو الحىّ ، فأما ما عداه من الجماد وغيره فيجب ألا يصح ذلك فيه .
على أن هذا القول منهم يدل على أنهم يعتقدون أن من قال في القرآن إنه مخلوق فقد وصفه بأنه شخص حىّ ، فإذا عرّفناهم أن غرضنا به خلاف ذلك ، وإنما نريد به كونه مقدرا فيجب سقوط قولهم ، على أنه إن كان كون الشيء مخلوقا
هامش
( 1 ) الفرقان : 2
( 2 ) عبس : 19
( 3 ) يس : 69
( 4 ) كذا في الأصل . والأولى أن يقال « يتعلق به » على أنه جائز على لغة بعض العرب .