وبعد . فلو ثبت كونه نافيا لهما كالكلام المعقول لوجب ألا يمتنع كونه ساكتا وأخرس سكوتا وخرسا « 1 » مخالفين لما يعقل في الشاهد . وهذا يوجب عليهم ما راموا أن يلزموناه .
فإن قالوا : إنه ينفى الخرس والسكوت اللذين يخالفان ما يفعله في الشاهد .
قيل له : من أين لك أنه ينافيهما ، وأنه لا يعقل من صفته وصفتهما ما يوجب حصول المنافاة بينهما ؟ والعلم بمنافاة الشيء لغيره يتبع العلم باختصاصهما بالصفة التي تجب لكونهما عليها منافاتهما ، مع أنه يجب إن كان ينافيهما ألا ينافي المعقول في الشاهد وإن كان متكلما . وإن قال إن الكلام الّذي أثبتناه له ينفى كل خرس وسكوت كان من جنس المعقول أو مخالفا له .
قيل له : ولم يجب ذلك فيه ؟
فإن قال : لأن ما نفى بعض الخرس يجب أن ينفى سائره ، كما أن ما نفى بعض البياض يجب أن ينافي سائره .
قيل له : إنما يجب فيما ينافي بعض البياض أن ينافي سائره من حيث كان / السواد معقولا والبياض معقولا ، وتضادّهما إذا كان هذه صفتهما معقول .
فوجب في كل سواد ينافي البياض أن ينافي سائره ولو صار به في محله ، ولو جاز إثبات سواد مخالف لما يعقله وبياض مخالف لما يعقله ما كان يجب إذا نفى بعض البياض أن ينافي سائره . فإذا صح ذلك فمن أين أنّ كلامه تعالى يضاد كل خرس وسكوت ، إذا كان مخالفا للكلام المعقول في الشاهد ؟ وما الأمان من كونه محتاجا إلى الحواس أو السكوت ، وإن كان ذلك يستحيل في الشاهد من حيث كان مخالفا للكلام المعقول ؟ وذلك موجب عليهم القول بكونه متكلما وأخرس وساكتا . ويجب ذلك عليهم من وجه آخر ؛ لأنهم قد أجازوا كون كلامه ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « سكوت وخرس » .