وبعد . فلو سلمنا ما قالوه لم يقدح في الإلزام ، لأنه كان يجب ألا يكون سبحانه متكلما إلا بأن يفعل الكلام ، أو يفعل فيه كما قالوه في الشاهد . فإذا جاز أن يثبت متكلما لا على هذا الوجه فهلا جاز ألا يثبت متكلما مع نفى الخرس والسكوت عنه ؟
ومن طريف أمره أنهم حكموا بإثباته تعالى متكلما لنفى الخرس والسكوت عنه قياسا على الشاهد ، والّذي وجدوه في الشاهد متضادا على الحي - على زعمهم - هو الخرس المعقول والسكوت والكلام المعقولان « 1 » ، فكيف يصح لهم إثباته متكلما بكلام مخالف لهذا الكلام لنفى الخرس والسكوت عنه ؟ .
فقد بان أنّ تعليلهم يقتضي كون كلامه سبحانه مثلا لكلامنا ، ومذهبهم بخلافه .
وحسبك بمذهب قوم فسادا أن يثبت بعلة ناقضة له ، لأنّ من حق العلة أن يثبت بها المذهب ؛ فإذا كانت تنقضه دل ذلك على قلة تمييز الذاهب إلى ذلك المذهب .
على أنه يقال لهم : إذا جاز لنفى الخرس والسكوت إثباته متكلما بكلام مخالف لهذا الكلام ؛ فهلا صح أن نثبت له فما ولسانا مخالفا لما يعقل ، وأن نثبت فاعلا للكلام على خلاف الوجه المعقول ؟ .
ويقال / له : خبرنا عن الكلام الّذي أثبتّه لتوجب نفى الخرس والسكوت المخالفين للمعقول في الشاهد ، أو المجانسين ، أو هما جميعا .
فإن قال : إنه ينفى المعقول منهما .
قيل له : كيف ينفيه وليس بصفة الكلام الّذي من حقه أن ينفي [ ه من ] هما « 2 » .
ولو جاز أن يقال فيه مع مخالفته للكلام المعقول في الشاهد : إنه ينفيهما ، لجاز أن يقال إنه ينفى كل عرض مع مفارقته لسائر ما يضادّه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « المعقولين » .
( 2 ) ما بين القوسين المستطيلين زيادة اقتضاها السياق .