فإن وجب ما قالوه في القديم سبحانه قياسا على الشاهد فيجب كونه فاعلا للكلام ، إذا انتفى عنه الخرس والسكوت قياسا على الشاهد . وذلك يوجب كون الكلام فعله على ما نذهب إليه ؛ وإن كان التزاما منهم له على وجه يستحيل ، لأن كونه فاعلا للكلام فيما لم يزل محال . وإن قالوا لا يجب إثباته فاعلا للكلام فيما لم يزل ؛ وإن انتفى عنه الخرس والسكوت وتفارق حالنا حاله فيه .
قيل لهم : ما أنكرتم من ألّا يجب كونه متكلما فيما لم يزل لانتفائهما عنه وتفارق حاله حالنا فيه ؟ .
فإن قالوا : إن الواحد منّا لا يجب بنفي الخرس والسكوت عنه كونه فاعلا ؛ أنه تعالى لو اضطرّه إلى كلام يفعله في لسانه خرج من أن يكون أخرس أو ساكتا كخروجه به إذا كان ذلك من فعله .
قيل له : إن هذا نفس الخلاف ، فكيف يدفع الكلام به . وقد دللنا من قبل على أنه إنما يكون متكلما بأن يفعل الكلام دون غيره ، فلا طائل في إعادته .
على أن الواحد منا لا يثبت متكلما إلا بنفي الخرس والسكوت عنه ، فإن وجب كونه تعالى متكلما لنفى الخرس والسكوت عنه وجب إثباته فاعلا للكلام ليصح كونه متكلما .
وقد بينا من قبل / أن المتكلم إنما يكون متكلما بأن يفعل الكلام ، وأنه لا يصح فيه غير ذلك ، وذلك يصحح لزوم الكلام لهم .
فإن قالوا : قد يكون متكلما عندنا بأن يفعل تعالى الكلام في لسانه ، فلا يجب ما ذكرتم .
وهذا مما بيّنا فساده من قبل ، وأنه لا يمكن مع الخلاف الّذي فيه أن يعترض به على ما قلناه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 143
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٣